الأميرة التي ولدت كي لا تكون ملكة

Posted: 05/07/2012 in مواضيع تاريخية

الأميرة التي ولدت كي لا تكون ملكة

لم يتوقع أحدٌ أن تعتلي العرش
الأميرة التي ولدت كي لا تكون ملكة

ترجمة- كريم المالكي:
كانت تقول في شبابها إنها ستكون سعيدة بحياة الريف والخيول والكلاب
لو لم تصبح إليزابيث ملكة لكانت الآن تقوم بوظائف ثانوية في البلاط
كان جدها جورج الخامس يلاعبها في حين أنه ربّى أطفاله بنوع من الشدة
هل تمنّى جورج الخامس ألا يتزوج ابنه وألا ينجب أولاداً لتحصل إليزابيث على العرش؟

قال عنها تشرتشل عندما كانت في سن الثانية بأنها تمتلك روحية السلطة والنفوذ إلى الحد الذي يثير الدهشة.
ومع ذلك فأنه حينما التقطت هذه الصور (التي كانت فيها ما زالت طفلة صغيرة) لم يكن أحد يتوقع أن تعتلي تلك الأميرة الصغيرة ذات يوم عرش المملكة المتحدة. إنها نوع من الصور التي قد تظهر في أي عدد من ألبومات الأسرة: فتاة جميلة صغيرة تحدق في الكاميرا وتبدو عليها حالة انزعاج بسيط لأنهم قطعوا عليها خلوتها وهي تلهو بالطريقة التي تحبها حيث تظهر وهي تتسلق على كتفي والدها، الذي تعتلي وجهه ابتسامة الأب المتساهل المحضة. ومن الممكن أن يكونا أي والد، وأية ابنة، ولكن واقع الحال ليس كذلك، فعندما تم التقاط هذه الصور كان البرت دوق يورك، وهو الذي اصبح في وقت لاحق الملك جورج السادس. وطفلته التي في الثالثة من عمرها هي ابنته البكر، الأميرة إليزابيث، التي ستخلفه بعد وفاته وتبقى على العرش حتى سن الرابعة والثمانين.

ومن الإنصاف القول إن الأمير ألبرت قد حصل على الكثير، لتتاح له فرصة ان يعيش حياته بهدوء أكثر. وبالتأكيد انه لم يسبق له ان يكون أي شيء آخر غير عضو مطيع في العائلة المالكة لكنه كـ “بديل ” لشقيقه الاكبر – ولي العهد- كان أكثر حرية في التمتع بحياة أسرية غير معقدة مع زوجته وابنتيهما على اعتبار انها وحدة مكتفية ذاتيا حيث غالبا ما اشار اليها بـ”نحن الأربعة”.

العيش في الريف أمنيتها

وبالنسبة للملكة هي وحدها التي يمكن ان تتكهن بعدد المرات التي تمنت فيها أن يكون لها نوع آخر من الحياة ولكن ليس وريثة للعرش ومن ثم ملكة في مسيرة طويلة وحافلة. وكما هو الحال في كل شيء فقد كانت دائما تبقي مستشارها الخاص على تماس مع هذا الشأن لكنها لا تتردد في إعطاء لمحة خاطفة عن أفكارها. ففي شبابها سمعوها تقول إنها ستكون سعيدة جدا مع الحياة في الريف “بوجود الكثير من الخيول والكلاب”.

وكما نعلم أن القدر كانت له خطط اخرى مع أميرة يورك إليزابيث الكسندرا ماري. ولكن في وقت ولادتها كانت كل الاحتمالات واردة في أن يسمح لها أن تعيش وفقا لرغباتها على أقل تقدير. وكانت، بعد كل شيء، ابنة الابن الثاني لجورج الخامس. عندما ولدت اليزابيث في أبريل 1926 كانت الثالثة في ترتيب ولاية العرش. وكان والدها بيرتي الثاني في الترتيب بعد أخيه الأكبر ديفيد.

لكن ما الذي كانت ستؤول إليه حياة اليزابيث لو لم تتوج على عرش بريطانيا؟ كانت اليزابيث الثانية ستصبح قريبة الملك وهذا اللقب ما كان سيمنحها مكانة مهمة في الأسرة، وكانت ستدعى طبعا إلى قصر بكينغهام، لكن ليس لحضور كل الاحتفالات والاستقبالات فيما كانت مهمتها ستقتصر على القيام بوظائف ثانوية كتدشين حدائق الأقحوان وتقديم أفراد العائلة للملكة.

الوريث “الواضح”

وهي لو لم تحمل هذا اللقب، لم يكن بوسع اليزابيث الاستفادة من الصناديق العمومية ولم يكن القصر سيتكفل بمصاريفها وكانت حياتها ستقسم ما بين قصر كيسنغتون حيث تملك شقة وظيفية وقصر ساندرينغهام، كما كانت ستقضي معظم وقتها في لعب الورق وتناول الغداء مع الأصدقاء فيما كانت ستقضي إجازتها في قصر بالمورال مع أحفادها، حيث لا يمكن أن يكون إلى جانبها غير سكرتيرتها وسائقها فقط.ولكن لم يكن قرب اليزابيث من العرش مسألة مهمة. لقد كان عمها ديفيد لا يزال شابا، وكان من المتوقع تماما انه سوف يتزوج وأن يكون لديه أطفال.

وفي الواقع لو كان والداها أنجبا ابنا، لكانت قد تنازلت اليزابيث بموجب الأسبقية لأخيها. وهذا هو السبب، إذ كان الأول في ترتيب ولاية العرش ، أنثى، فهي معروفة باسم ولي العهد الافتراضي – لأنه من المفترض أن تكون وريثة إلى أن يكون هناك ذكر – وبالتالي أصبحت فعليا باعتبارها الوريث”الواضح” الذي لا شك فيه. وهكذا فإن القدر اختار لإليزابيث أن تصبح ملكة على الرغم من أنها لم تكن سوى ابنة أخ ادوارد الثامن وذلك إلى غاية عام 1936، العام الذي تنازل فيه هذا الأخير عن العرش وأصبحت خلاله إليزابيث وريثة للعهد لتتوج ملكة وعمرها ست وعشرون سنة بعد الوفاة المفاجئة لوالدها جورج الرابع.

وعلى الرغم من ان ولادة الأميرة كانت في لندن في منزل جدتها لامها الواقع في17 شارع بروتن في حي مايفير الراقي الا انه حظي بتغطية إعلامية وبحشد من المهتمين. وطبقا للعرف المعمول به منذ عام 1688، حضر وزير الداخلية وقائع ولادة إليزابيث مثلما يحصل مع باقي المواليد الجدد في الأسرة غير ان التوقعات في ان تصبح هذه المولودة قيصريا، ذات 3.6 كيلوغرام ملكة لانجلترا تكاد تكون معدومة في ذلك الوقت.

وعلى الرغم من ذلك كان ما يزال الدوق عصبيا حول رد فعل والديه الملك جورج الخامس والملكة ماري لولادة حفيدته. وكانت أخته الأميرة الملكية قد انجبت لهم حفيدين لكنها كانت أبعد من التاج بكثير من بيرتي. وكتب إلى والدته: “أردنا دائما طفلا ليجعل سعادتنا كاملة وآمل أن تكوني ووالدي سعداء كما نحن سعداء لاننا لدينا حفيدة، أو هل انك ترغبين في ان يكون هناك حفيد آخر قريبا؟”.

طفولة مثالية

وكانت ولادة صعبة لدوقة يورك، كما يتضح من البيان الرسمي، على الرغم من صيغته المشفرة. “وكانت الولادة القيصرية إجراء شديد الخطورة في عام 1926 مما هو عليه اليوم. وبدا من الواضح أنه من غير المرجح ان يكون لديهم عائلة كبيرة. وهكذا بدأت مرحلة الطفولة المثالية إلى الطفلة التي اصبحت ملكة حتى هذا اليوم.

كانت طفولة رائعة جدا وتوزعت ما بين لندن وويندسور واسكتلندا وكان جدها جورج الخامس كثيرا ما يلاعبها ولم يكن أبدا يناغي أطفاله الذين نشّأهم بطريقة تفرض عليه دائما الإبقاء على مسافة بينه وبينهم. وببساطة طريقة الارستقراطيين في تربية الصغار. كان جورج الخامس يكره ابنه ادوارد الذي كان يفترض أنه يتسلم التاج من بعده، بسبب ركضه وراء النساء وهو ما كان يقلقه جدا إلى درجه أنه أسر ذات يوم لأحد المزارعين بأنه يرجو من الله ألا يتزوج ابنه الأكبر وألا يرزق بأولاد وألا تحدث مشاكل بين برسي واليزابيث بسبب التاج. كانت اليزابيث الأحب والأقرب إلى قلب جدتها الملكة ماري، التي كانت تلقنها أهم قيم الملكية كالانضباط والصبر، كما كانت متسلطة حتى في لعبها مع أختها مارغريت روز.

رؤية تشرتشل

وبعد أن أصبح عمر الأميرة عامين، وصفها ونستون تشرتشل بعد أن شاهدها ذات مرة بأنها “ذات شخصية ولديها حالة من الثقة وانعكاسية مذهلة بالنسبة لرضيعة “. وتستذكرها ابنة عمها مارجريت رودس وتقول: إنها “فتاة صغيرة مرحة ولكنها حساسة بشكل عقلاني من حيث المبدأ وتتميز بسلوك جيد”.

وعندما غادراليوركيون شارع بروتون إلى منزل جديد في بيكاديللي 145 انتقلت إليزابيث أيضا من غرفة واحدة إلى جناح يضم مجموعة من الغرف في الجزء العلوي من المنزل يحوي حجرة نوم مع حصان هزاز في داخلها، وحمام، مع اطلالة تتيح النظر إلى حديقة خضراء. وكان أحد الألعاب المفضلة لديها إسقاط الكرة أو دمية (دب) من الحضانة إلى أسفل الدرج على الضيوف لدى وصولهم إلى الصالة.

ومع بقاء أمير ويلز من دون زواج وعدم وجود احتمال واضح لعروس في الأفق، أصبح دوق ودوقة يورك وبناتهما محط اهتمام الرأي العام ومحبة لأنهم العائلة المالكة الشابة. وسجلت اليزابيث حضورها أمام الملك عندما داهمه المرض في1929 حيث دان لها في المساعدة في شفائه بسبب زيارتها إلى “انجلترا” فقد جعلته يشعر بالابتهاج حيث احتفى بقدومها.

ويمكن ان يعود تأريخ حبها للخيول والكلاب إلى خريف عام 1928 عندما قضت عائلتها موسم الصيد في ناسباي هول في نورثهامبتونشاير. وكانت اليزابيث تستغل كل فرصة لتذهب إلى الإسطبلات لتداعب خيول والدها وكلاب الصيد.

ورغم أن وحدة الأسرة نيويورك تتميز بالمحبة والتقارب الوثيق كان هناك مما لا شك فيه حياة منعزلة لفتاة بدأت تنمو. لقد تلقت اليزابيث تعليمها في المنزل من قبل مربيتين بحيث لم يكن لديها أصدقاء دراسة.وقد أقنعت المربية ماريون كروفورد الدوق والدوقة للسماح بتشكيل فريق مرشدات خاص، بحيث يمكن لابنتهما الاختلاط مع الفتيات ممن هن في سنها.

الملكة ومربيتها

وفي السنوات اللاحقة نُبذت المربية كروفورد، من خلال نشر سرد للسنوات التي عملتها كمربية ملكية. وبمقاييس اليوم فأن كتابها “الأميرتان الصغيرتان” يعد كتابا لطيفا وغير مؤذٍ لكنه حولها إلى منبوذة دائمة. لم تكن تربية هذه المربية الاسكتلندية تترك مكانا للتلقائية أو الخطأ، ما اثر كثيرا في حياة اليزابيث عكس أختها مارغريت روز، كما لعبت الممرضة الثانية مارغريت ماكدونالد دورا كبيرا في تربية اليزابيث خصوصا بعد أن أصبحت مربية لها ثم قائمة على ملبسها. ومع ذلك، اتفق الجميع على نقطة واحدة: لا للترف المفرط. ومع ذلك كان لا يسمح لإليزابيث ان ترتدي ملابس مبهرجة. بدلا من ذلك كانت هي وشقيقتها ترتديان ملابس ببساطة عبارة عن فستان من القطن. كما ان بعض عادات اللعب بالدمى كان فيها شيء من الصرامة.

وتقول كراوفورد في كتابها أن سلوكيات اليزابيث تفوق بكثير سنها وأنها كانت عاقلة، غير أن كراوفورد لم تكن لتقول غير ذلك على اعتبار أن ما كتبته لم يكن مرخصا له، خصوصا بعد أن تطرقت للعديد من التفاصيل الحميمة لحياة الأسرة. ووصفتها بانها مميزة بانضباطها وأنها كانت تستيقظ ليلا حتى تتحقق من أن الثوب الذي سترتديه مرتب وان الحذاء ممسوح بشكل جيد.و كانت ترتب حبات الحلوى التي كان والداها يقدمانها لها عند تناول إفطار الصباح، فتتناول الحبات الصغيرة أولا ثم الأكبر منها حجما كما كانت تسترجع ورق تغليف الهدايا التي كانت تقدمها. كما قالت انها خجولة أيضا لدرجة أنها تتسمر في مكانها عند رؤية أناس لا تعرفهم، فهي تعيش دوما في قوقعة، فلا تراها مثلا تلاعب أقرانها في ساحة لعب حدائق هاميلتون. وان كانت هناك أربع سنوات بين الأختين إلا ان اليزابيث، كانت ترتدي ملابس مطابقة لملابس أختها حتى وهما في سن المراهقة.

مفاجأة بلوغ العرش

وبعد ذلك وقع ما لا يمكن لأحد ان يتصوره. في عام 1936 وعندما كان عمرها عشر سنوات بوفاة جورج الخامس، أصبح ادوارد الثامن، وكان أعزب آنذاك، ملكا لانجلترا في يناير عام 1936، غير أنه تخلى عن التاج بعد عشرة أشهر من الحكم حتى يتمكن من الزواج من واليس سيمبسون، وهي أمريكية، مطلقة مرتين، مما دفع شقيقه والد اليزابيث، ليكون مكانه وهو ما سمح لإليزابيث بان تصبح وريثة للعهد.

لقد توج والد اليزابيث ملكا في تاريخ 12 مايو 1937 تحت اسم جورج الرابع والى جانبه زوجته، وهي أول بريطانية ترتبط بملك إنجلترا منذ أربعة قرون، وكان شخصية معروفة جدا غير أن الانجليز تعرفوا فجأة على الفتاة الشابة التي كانت تتهيأ لان تصبح ملكة انجلترا بعد تخلي ادوارد الثامن عن التاج.

وعلى حين غرة أُخذَتْ اليزابيث لتتلقى تعليما خاصا في التاريخ الدستوري من هنري مارتن، ونائب رئيس المجلس في كلية إيتون وكذلك دروسا بالفرنسية من الناطقين بها. ولم يعد هناك أي شيء “افتراضي” عن منصبها. لقد كانت الأميرة اليزابيث الثانية في ترتيب ولاية العرش وبالتأكيد انها ستصبح ملكة. وهكذا قد تبخرت كل أحلامها بالعيش بهدوء في الريف ليحيطها الكثير من الخيول والكلاب.
(عن الديلي اكسبريس)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s