إليزابيث… العزباء التي انتصرت للبروتستانتية

Posted: 03/07/2012 in مواضيع تاريخية

منذ فجر التاريخ والمرأة تسعى إلى إثبات نفسها في مراكز الرجال، وعلى رأسها عروش الحكم، إلا أنه كما أتاح لها هذا الطموح ارتشاف حلاوة السلطة والشهرة والجاه، كان لزاما عليها أيضا أن تتجرع مرارة القتل من أجل الحفاظ عليه لينتهي بها الأمر في بعض الأحيان إلى قاتلة أو مقتولة أو الاثنين معا .
هذه الحلقات تعرض لملكات قمن بشؤون دولهن أحسن ما يقوم به الملوك العظام، بل إن منهن من قدن الجيوش وخضن معمعات المعارك والحروب واستعملن من سعة الحيلة وضروب الخداع ما يقصر عن إتيانه كبار الساسة والدهاة من الرجال، ويروي الحيل التي لجأن إليها أحيانا والمغامرات العاطفية لبعضهن.

يعد عصر الملكة إليزابيث أو ما يعرف في إنجلترا بعهد إيليزابيث من أبرز العصور، فحول هذه الملكة، اجتمعت عدة أسماء مشهورة ووقعت حوادث كبيرة كان لها أثر بارز في تاريخ إنجلترا.
إليزابيث تيودور، هي ملكة إنجلترا وإيرلندا، ابنة الملك «هنري الثامن» و»آن بولين». تنتمي إلى أسرة التيودر ذات الأصول الويلزية. لقبت يوم مولدها بأميرة إنجلترا، إلا أن الملك هنري الثامن كان قد أوصى بعد ذلك، بعدم خلافة ابنته في الحكم، إذ اعتبرها ابنه غير شرعية، وذلك بعد اتهام أمها الملكة «آن بولين» بالخيانة حتى توافق الكنيسة على طلاقه منها ليتزوج من أخرى، وتنجب له وريثا «ذكرا» للعرش.
سميت الملكة العذراء لأنها لم تتزوج، ويقال إن سبب عدم زواجها عاهة جسدية، لكن المؤرخين يردون ذلك إلى تاريخ والديها المأساوي، فهي ابنة الملك هنري الثامن الذي أحدث انقلابا في العرش البريطاني، وعلاقته بالكنيسة،
إذ تزوج سبع مرات دون إذن الكنيسة في روما، التي اعتبرت زيجاته غير شرعية، فانقلب عليها. ولدت إليزابيث من زوجته الثانية التي تزوجها دون طلاق زوجته الأولى، وهو الزواج الذي رفضت الكنيسة في روما إجراءه، فاعتبرت إليزابيث ابنة غير شرعية في نظر الكاثوليك في البلاد، كما أنها لم تكن موضع حفاوة من الملك الذي تزوج عدة مرات بحثا عن وريث ذكر للعرش. ورغم إهماله لها، فإنها تلقت تعليما مميزا، وأبدت منذ الصغر اهتماما خاصا بالبروتستانتية.
ولدت عام 1533 وكانت في الثالثة من عمرها، حين أعدمت أمها بالمقصلة بتلفيق تهمة الخيانة لها، ويقال إن الملك هو الذي أمر بهذا ليتسنى له الزواج من جديد، ففقدت إليزابيث حقها في العرش، لكن وصية من الملك بحكم سيطرته على الكنيسة ألزمت تولي ماري، أختها غير الشقيقة، العرش بعد أخيها غير الشقيق إدوارد الذي ولد من زوجة أخرى، هي جين سيمور، على أن تتولى إليزابيث بعد ماري، وقد حصل ذلك، إذ أن كليهما كانا عليلي الصحة، فماتا.
سجنت إليزابيث أثناء حكم أختها لاتهامها بالتورط بمؤامرة مع خال أخيها ادوارد للوصول إلى العرش، وحاول رجال البلاط إعدامها، لكنهم لم يجدوا الدليل الكافي، تولت إليزابيث العرش عام 1558، وكان لها شعبية جارفة وما زالت حتى اليوم أكثر الملوك الانجليز شعبية، إذ أبدت الاستمتاع بحريتها الفعلية، فقد كانت تحب كل أنواع الرياضات، وتحب الموسيقى والرقص وركوب الخيل والصيد والتمثيل والفرجة على المسارح.
تولت إليزابيث الحكم بعد شقيقتها ماري الأولى، التي كانت كاثوليكية المذهب، فيما تبنت هي المذهب البروتستانتي المعتدل.
عاشت الملكة عزباء طيلة حياتها، ولقبت بالملكة العذراء، عُرفت بحيويتها الدائمة، كما تميز حكمها بالطابع الاستبدادي، فقد كانت تأخذ رأى البرلمان في جميع شؤون البلاد، إلا أنها كانت تنفرد بأخذ القرار، كان لها الفضل في ترسيخ العقيدة الوطنية في إنجلترا: الأنجليكانية.
وبعد أن أقرت مرسوم السيادة (1559)، ثم وثيقة البنود التسعة والثلاثين (1563)، واجهت جماعات البيوريتانيين (التطهيريين)، الذين انشقوا عن الحركة البروتستانتية، وأخذوا يطالبون بتطبيق تشريعات أكثر تشددا، إلا أن أخطر خصومها كانوا الكاثوليكيين، الذين أرادوا أن يعيدوا المذهب الكاثوليكي إلى رأس الدولة، وجهت لهم الملكة ضربة حاسمة عندما ألقت القبض على قريبتها ملكة اسكتلندا المخلوعة: «ماري ستيوارت»، التي لُقبت بحامية العقيدة الكاثوليكية.
وكانت ملكة انجلترا التي وضعت بنود المذهب الأنجليكاني أول امرأة ترأس الكنيسة الإنجليزية، بعد أن فصلها والدها هنري الثامن عن الفاتيكان، الكرسي الرسولي في روما، فأصبح الملك رئيسا للكنيسة.
كان من عواقب مقتل الملكة ماري ستيوارت أن اشتعل فتيل المواجهات بين إنجلترا وإسبانيا (حامية الكاثوليكية). وكانت الأخيرة تعتز كثيرا بقوتها البحرية، فدفعت بأسطولها القوي لمحاصرة الجزيرة البريطانية، إلا أن الإنجليز حسموا الموقف لصالحهم، وانهزمت الأرمادا التي لا تقهر (كان هذا لقب الأسطول الإسباني).
كرست هزيمة إسبانيا بداية حقبة جديدة عرفت هيمنة إنجلترا على البحار، فأخذوا بعدها يتوسعون وينتشرون في أرجاء المعمور، إذ أسسوا شركة الهند الشرقية، سنة 1600.
كانت الملكة إليزابيث، آخر الحكام من أسرة التيودر، تتكلم الفرنسية والايطالية بطلاقة كما تكتب اليونانية واللاتينية، وكانت داهية سياسية وذكية وجذابة ومرحة وراقصة من الطراز الأول، لكنها كانت من أكبر المتاجرين بالعبيد الأفارقة كما كانت نموذجا صارخا للشخصية القوية والزعامة، توفيت عام 1603، ليخلفها على العرش «جيمس الأول» ابن «ماري ستيوارت».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s