العلاقة الخفية بين إيران وسوريا / بقلم خالص جلبي

Posted: 23/06/2012 in مواضيع تاريخية

الحشاشون والشبيحة

من لم يقرأ التاريخ يدفع دينه مع الفوائد المركبة. وهو الثمن الذي يدفعه الشعب السوري حاليا تحت نظام سليل لنظام سابق هو نظام الحشاشة الذي امتد بين إيران وسوريا.
قارن هذا مع نظام الشبيحة الحديث.
ولكن من هم الحشاشون الذين دمغوا اسمهم في قواميس اللغة فنقول باللغة الإنجليزية عن جماعات الاغتيال أساسين (Assassination)

فمن هم؟

٢٠١٢٠٦٢٣-١٢٥٥٠٠.jpg
ينفعنا التاريخ لمعرفة أصول النظام الحالي في سوريا وإيران والتشابه بينهما.

في ليلة الأحد 11 ذي القعدة 571 هـ 1176 م كان القائد
صلاح الدين الأيوبي على موعد مع رسل الموت من الحشاشين، فبينما كان في خيمة الأمير الكردي (جاولي الأسدي) قائد أركانه وهما يستعرضان الخرائط الحربية ضد الصليبيين، كان هناك من الأعداء الداخليين من هو أخطر من الصليبيين بمرات! فقد اقتحم الخيمة شاب مفتول العضلات، وكأنه جني لخفة حركته، يلمع في يمناه خنجر هوى به على رأس صلاح الدين، قبل أن يفيق من هول المفاجأة، ولكن صلاح الدين كان محظوظاً فقد صدم النصل المسموم الزردية من الحديد التي تغطي رأسه وتخفيها عمامة، فأدرك المجرم أنه أخطأ هدفه؛ فقام بتوجيه طعنة إلى الخد فجرحه، وانقض الضباط الأكراد على الرجل فقتلوه.

٢٠١٢٠٦٢٣-١٢٥٨١٨.jpg

وخلال لحظات كان ثلاثة من الشبان يتدافعون إلى الخباء بنفس الطريقة من التدريب المتقن على القتل المنظم؛ فقتلوا العديد من الجنود والضباط قبل أن يقعوا صرعى في محاولة الاغتيال المدبرة بغاية الدهاء والجرأة وحسن التخطيط.

وينطق التاريخ مرة أخرى عن دور الصدف في صناعة التاريخ فلو مات صلاح الدين في تلك المحاولة لما تم تحرير القدس، ولم تكن لتقع وقعة حطين عام 1187م ، ولو مات بريجينيف الزعيم الروسي وكان قد تعفن شيخوخة لما تم اجتياح أفغانستان عام 1980م ، ولما انخرط الشباب الإسلامي في مقاومة الروس في حرب أمريكية قبل أن يحصدوهم في تورا بورا، وهم يظنون أنهم يقاتلون في سبيل الله، ولما تحولت أفغانستان إلى خراج من العنف يصدر كل أنواع جراثيم العنف لكل العالم، ولما ولد ابن لادن ليضرب أبراج نيويورك، والظواهري لينقل (قاعدة) مصر إلى جبال هندوكوش. ولتصبح كلمة قاعدة من قواميس لغات العالم مثل التسونامي والاساسين (الحشاشة والاغتيالات)

٢٠١٢٠٦٢٣-١٢٥٩٣٥.jpg

ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة.
جرت محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي في (إعزاز) القريبة من حلب وحاكم حلب (كمشتكين) يتصل بريموند الثالث حاكم طرابلس الصليبي وشيخ الجبل (سنان راشد الدين) للتخلص من صلاح الدين الأيوبي (قارن بين الشيخ الحسون الحلبي والبوطي الدمشقي والحشاشون الجدد وعصر صلاح الدين)

ولم تكن هذه المحاولة الأولى من نوعها التي يتعرض لها صلاح الدين الأيوبي؛ فقد جرى قبلها محاولة أخرى بينما كان في حصاره لحلب، إذ دخل خباءه أربعة من الحشاشين، كشفهم الحرس بسرعة وقتلوهم، قبل أن يصلوا لصلاح الدين، مما جعله يعيد النظر في كل من يحيط به.
وهو ما يذكر بأول محاولة لاغتياله ذكرها (قدري قلعجي) في كتابه عن عصر صلاح الدين وشكك بها؛ فقد استطاع الفدائي (حسن الأكرمي) التمكن من الدخول إلى مخدع صلاح الدين حيث ينام في القصر، وترك قرب وسادته خنجراً مسلولاً مغموساً بالدم مع الكلمات التالية:

“اعلم أيها السلطان المغتصب العاتي .. إنك وإن أقفلت الأبواب ووضعت الحرس، لا تستطيع أن تنجو من القصاص ومن انتقام الإسماعيلية. أراك قد بلغت القحة واستبديت وقتلت وظلمت وسلبت دون أن تحسب حساباً لشيخ الجبل الإسماعيلي الذي يقف لك بالمرصاد، ولو أردنا قتلك الليلة لفعلنا، ولكن عفونا عنك لعلك تقدر ذلك، وإننا ننذرك لتصلح من سيرتك وتعيد الحق المغتصب إلى ذويه، ولا تحاول أن تعرف من أنا فذلك صعب عليك وبعيد عنك بعد السماء عن الأرض، إذ قد أكون أخاك أو خادمك أو حارسك أو زوجك التي في حضنك وأنت لا تدري .. والسلام”

٢٠١٢٠٦٢٣-١٣٠١٠٧.jpg

والكلام الذي جاء في الرسالة يجب فهمه ضمن البانوراما التاريخية، حينما أنهى صلاح الدين الأيوبي حكم الفاطميين في مصر بعد حكم دام قرنين من الزمن، وأعاد خطبة الجمعة للخليفة العباسي، واتشح بالسواد بعد أن كان اللباس الفاطمي الرسمي البياض. ولم يكن الخليفة العباسي يزيد عن ظل شبح زائل في سلطان يذوب بأسرع من الآيس كريم في صيف لاهب من الأحداث.
إن اللغة الإنكليزية ما زالت تحمل الرنين المرعب لكلمة الاغتيال (أساسين ـ Assassination) وهي كلمة مشتقة من عندنا من حفلات الرعب والدم التي مارستها طائفة الإسماعيليين في القرنين الثاني والثالث عشر للميلاد وروعت العالم الإسلامي لأكثر من مائة عام، حتى كانت نهايتها كما تنتهي كل فكرة بالانتحار الداخلي وتتحول إلى طائفة(Cult) تعيش في ذاكرة التاريخ.
إن تاريخنا مليء بالفظاعات والدماء، وثقافة الاضطهاد عندنا أفرزت الحركات السرية التي انتظمت في حركات سرية دموية مروعة، من نموذج تنظيم الحشاشين تلك التي وصفها (قدري القلعجي) وهو يستعرض المرحلة التي جاء فيها صلاح الدين الأيوبي، أن ذلك التنظيم تحول خلال “مائة سنة إلى عصابة سرية فريدة من نوعها في التاريخ مدربة على القتل المنظم. ولا هم لها أو غاية سوى الاغتيال وبث الذعر ونشر الإشاعات المخيفة”.
ولم تكن فرق (الحشاشة) الوحيدة فقد سبقها للقتل المنظم المروع جماعة (الخوارج) في ظاهرة تحتاج أن توضع للتشريح التاريخي هذه الأيام والعالم الإسلامي يعاد بناؤه بعد أحداث سبتمبر.
إن قراءة التاريخ مفيدة جدا وهي تعطي وعياً خاصاً بالدراسة المقارنة وحقلاً خصباً لفهم الإنسان وتنشؤ المجتمع وأمراض الثقافة.
إن كل حدث هو في علاقة جدلية بين الماضي والحاضر فهو نتيجة لما كان قبله كما هو سبب لما سيأتي بعده. وهذا القانون في جدلية الأحداث وترابطها تجعلنا نستوعب أمراض مجتمعاتنا الحالية أنها تركة ثقيلة من أيام الحشاشين والخوارج والشبيحة الجدد.
وهناك من يظن أن (الحشاشين) أصبحوا في ذمة التاريخ وأن (الخوارج) أصبحوا في بطون الكتب. ولكن حركات الإسلام السياسي والصراع المذهبي أحيت مذهب الخوارج والحش والحشيش والحشاشة والشبيحة تحت كلمات جديدة وشعارات حديثة. وتبقى الحقيقة واحدة.
واليوم تنتعش عظام (أبي حمزة الخارجي) في قبره كما يقوم شيخ الجبل سنان من قلعة مصياف في سوريا وحسن الصباح من قلعة آلاموت من إيران بكل عنفوان على شكل دموي جدا.

لقد أحيا شباب الجهاد السياسي السلفي في مناطق شتى من العالم الإسلامي مذهب الخوارج بكل زخم وقوة.
كما أن الحشاشين استبدلوا قلعة (آلاموت) في جبال مازندان بجبال خوست بأقنعة جديدة، ويتسلحون بقنبلة نووية وليس بخناجر مهترئة وجنبية معقوفة.
والتاريخ كما يقول (نيتشه) يحكمه قانون العود الأبدي.
في عام 1070 م اجتمع ثلاثة من العباقرة في جامعة (نيسابور) ضمتهم غرفة واحدة فيها يأكلون وينامون ويتدارسون هم (عمر الخيام) و( نظام الملك) و( الحسن الصباح). وكان الثالث أشدهم دهاءً.
وفي يوم قال الحسن الصباح لرفيقيه: يا شباب يبدو أننا في طريقنا للوزارة فماذا تقولون أن نتفق أن من وقعت في حضنه تفاحة السلطة أذاق رفيقيه شيئاً من حلاوتها.
قال الآخران اتفقنا.
وكان اتفاقا ترتبت عليه لعنة للمنطقة.
كان السلاجقة الأتراك يومها قد قفزوا بالحصان العسكري على رقبة الخليفة العباسي، ويومها لمع ضابط مغامر أمسك بالحكم هو السلطان السلجوقي (ألب أرسلان).
تقول لنا الأيام أن مصير الثلاثة كان متبايناً فأما (نظام الملك) فقد قفز إلى كرسي الوزارة.
وأما (عمر الخيام) فقد انصرف لشعره وخمره وفلسفته العدمية التي أطبقت عليه من ظلمات الوضع العربي في تلك الأيام فلم ير سوى الانحطاط والعبثية في الوجود ومن الأفضل للإنسان أن يتمتع بلحظته فليس بعدها شيء. بعد أن أمن على معيشته بـ 600 دينار شهري خصصها له القصر الملكي.
أما الثالث (حسن الصباح) فكان طموحه غير محدود. وحاول منافسة زميله نظام الملك على كرسي الوزارة فنشأ صراع مصيري بين الرجلين كاد الصباح أن يدفع عنقه ثمنا له بدعوى الإلحاد فما كان منه إلا أن فر لينشئ تنظيما فولاذياً سريا بعد اتصاله بالإسماعيليين والتدرب على أيديهم على العمل السري. واستطاع الوصول إلى شيخ الجبل وهو (عبد الله بن عطاش) الذي أعطاه أسرار الجماعة وأموال الفرقة الإسماعيلية.
وقام الحسن الصباح بتطوير العمل على نحو عبقري، حيث رأى أن العمل السري المسلح لا يحتاج لجيوش كثيرة بل عناصر قليلة حسنة التدريب شديدة الولاء إلى حد العبادة، وبتنظيم من تركيب خاص ليس من النوع الهرمي غير قابل للاختراق، وبعمر صغير من الشبان الذين يتم غسل أدمغتهم بالتعصب والحشيش.

كان الرجل قد اكتشف مادة الحشيش في مصر فرأى فيها فرصة ممتازة للشباب، حيث يتم سقيهم بالحشيش حتى الخدر اللذيذ، ثم إدخالهم عالماً خاصاً يذكر بالجنة من الأنهار والفاكهة والحور العين، يطوف عليهم الغلمان كأنهم لؤلؤ مكنون؛ فإذا استيقظوا أوكلت لهم المهمات الانتحارية.
كان تنظيم الصباح على ثلاث طبقات (الدعاة) وهم القادة الحزبيين.
ثم طبقة (الرفاق) ـ قارن مع تنظيم حزب البعث السوري !ـ وهم المشرفون المباشرون على تنفيذ الطلعات الانتحارية. وفي القاعدة القذائف الانتحارية (الفدائيون) من الشباب المدربين على الموت في سبيل شيخ الجبل. وعندما حاصر (ملكشاه) أحد قلاع الإسماعيلية أرسل الحسن الصباح مجموعة من الفدائيين أغمدت الخنجر في صدر صديق الأمس نظام الملك. “ودشنت هذه الجريمة عهداً جديداً في تاريخ الشعوب الإسلامية ظل الاغتيال فيه سلاحاً سياسياً طوال مائة عام. وبقي الحسن بن الصباح أكثر من عشرين سنة في حصنه (آلاموت ) عش النسر ينظم الدعوة ويؤلف الكتب ويدرب الجيوش، ويعلم الشبان ويحيك المؤامرات ويرسل الفدائيين لقتل الأمراء والوزراء والحكام من خصوم الإسماعيليين بالخنجر المسموم في الخفاء.
ومات عام 1124 وخلفه (كيابزرد حميد) وعندما تعرضوا للاضطهاد في إيران لجئوا إلى سوريا فأنشئوا تنظيما أشد ترويعا وإرهابا. على يد شيخ الجبل الثالث سنان في قلعة مصياف.
فهذا هو التاريخ الخفي للعلاقة المشئومة بين نظامي سوريا وإيران ومن لحقهم من الأشياع والأتباع والبيادق بغير إحسان.

المصدر: جريدة ايلاف الالكترونية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s