ليلة المرتفعات

Posted: 09/11/2011 in روايات رعب

كنت و ما أزال مغرماً برواية ( مرتفعات وذرينغ )
.. تلك الرواية الرائعة التي كتبتها الكاتبة الحزينة إميلي برونتي !
كنت و ما أزال مولعاً بالرواية و ما زلت أستمتع
بقراءتها مرة بعد مرة .. و لكن تجربة فريدة أضافت إلى هذا الوله طعم آخر .. طعم
مخيف مقلق .. و كان السبب الرئيسي في هذه التجربة هو جنوني و ثرائي المبالغ فيه
!

في الحادي عشر من شهر يوليو عام 1967 اقترحت على
أمي أن نذهب لقضاء عيد الميلاد في لندن .. لندن بعيداً عن القاهرة و عن جوها الخانق
بعد النكسة المهلكة التي حاقت بمصر .. الحقيقة لا أدعي أن النكسة كان لها أثر شخصي
على .. فأنا مدلل طول عمري و لا أتحرك خطوة واحدة أبعد من ذاتي .. و لكن أصدقائي و
معارفي و حتى أصدقائي في الجامعة كانوا في حالة غليان و المرارة على كل الوجوه ..
لذلك فضلت أن أخذ أمي و ثرائي ؛ الذي يسبب للبعض غيرة و حقد مريرين كنت ألمحهما
وراء النظرات المجاملة الرقيقة ؛ و أذهب لألهو و أعربد قليلاً في ( لندن ) العتيقة
.. و لهذا السبب اخترت فترة عيد الميلاد بالذات حيث تكون المدينة الغارقة في الضباب
في أبهج حللها و يكون سكانها الإنجليز الباردين كحد السكين الأستنلس أكثر حرارة و
أكثر استعدادا للتواصل معهم !
………………………………
وصلنا ؛ أنا و أمي ؛ إلى لندن في الحادي و
العشرين من ديسمبر .. كان من المفترض أن نصل مبكرين أكثر و لكن ترتيبات الرحلة و
ظروف البلد المتدهورة في كل النواحي أعاقتنا عشرة أيام بأكملها ..
و بمجرد أن نزلنا في مطار ( هيثرو ) حتى ركبنا
أول سيارة تاكسي صادفناها في طريقنا أقلتنا إلى فندق الملك جيمس العتيق الفاخر ..
ألفي جنيه إسترليني لليلة الواحدة ؟!
و لما لا .. فما أكثر النقود عندنا .. و لكنني في
الحقيقة لم تكن لندن هى هدفي .. بل مقاطعة ( يوركشير ) !
كل من قرأ رواية ( مرتفعات وذرينغ ) يعرف أن
أحداثها تقع في منطقة ( هيوارث ) المنعزلة الموحشة بمقاطعة ( يوركشير ) ..
هل منزل ( مرتفعات وذرينغ ) حقيقي .. أم من محض
خيال إميلي برونتي ؟!
سألت هذا السؤال لأستاذي الإنجليزي مستر ستانلي
في إحدى دروس الأدب الإنجليزي التي كان يقوم بإعطائها لي مقابل مبالغ سخية .. و كان
رد فعله متوقعاً من رجل صارم ( تنح ) مثله .. تململ قليلاً ثم أنزل نظارته السميكة
على أنفه الذي يشبه حد الموسى لينظر لي نظرة سخرية جارحة و قال لي بنبراته
الشكسبيرية الفخمة :
– ” مرتفعات وذرينغ
مجرد قصة خيالية .. و لا أسمح لنفسي بأن أقول أكثر من ذلك .. لنعد إلى درسنا
و عدنا .. أو على الأصح عاد مستر ستانلي وحده
لدرسه الممل عن الشاعر كيبلنج و أخذ يقرأ و يقرأ و يعلق لنفسه غالباً .. لأنني كنت
سارحاً في ملكوتي الخاص مفكراً في طريقة أحصل بها على جواب لسؤالي :
هل منزل مرتفعات وذرينغ حقيقة أم خيال ؟!
………………………………
توقعت كل شيء يمكن أن يحدث في الوجود .. إلا أن
أحصل على إجابة لسؤالي بمحض الصدفة و ليس أي جواب .. الجواب الذي كنت أتوقعه و
أتمناه .. الجواب الذي أريده بالضبط !
عندما كنت في السنة الثالثة بقسم اللغة
الإنجليزية بكلية آداب القاهرة كنت قد صرت مشهوراً في الجامعة بلقب ( مجنون إميلي
برونتي ) و كان هذا طبيعياً بالنسبة لثرثار مثلي لا يحتفظ بكلمة أو سر في جوفه أكثر
من ثلاث دقائق .. و في ذات يوم فوجئت و أنا أسير في فناء الجامعة برفقة زميلتي منى
بشاب غريب يحاذيني فجأة أثناء سيري و يكاد يلتصق بي .. فوجئت بظهوره و توقفت لأمعن
النظر فيه .. كان طويلاً للغاية نحيلاً نحيلاً و كان من الواضح أنه أجنبي .. قد
كانت التلامة الإنجليزية تصرخ بأعلى صوتها فوق ملامحه السائحة المائعة .. لم يعطيني
الفرصة للتحدث أو محاولة التعرف به بل أقترب من أذني و همس في أذني بعبارة واحدة ..
عبارة واحدة و لكنها زلزلتني و شلت كياني إلى حد أعجزني حتى عن التحرك من مكاني ..
فيبدو أنه قد آن الأوان أخيراً لتحقيق حلمي !
………………………………
في اليوم التالي كنا أنا و بيتر ؛ الشاب
الإنجليزي الغريب ؛ ننتحي ركناً قصياً من كافتيريا خارج الجامعة و نتبادل حديثاً
هامساً .. قال لي بيتر بلهجة إنجليزية هادئة :
– ” أنت تبحث عن
منزل مرتفعات وذرينغ .. أعني منزل عائلة ايرنشو .. أليس كذلك ؟! “
فسألته بلهفة :
– ” هل قرأت
الرواية ؟! “
– ” طبعاً .. لا
يوجد إنجليزي مثقف لم يقرأ مرتفعات وذرينغ .. هندلي ايرنشو و هيثكليف و كاترين و
ادجار لنتون و إيزابيلا و الخادمة نيللي .. إنهم أعلام في الثقافة الإنجليزية .. من
يستطيع أن يقاوم كل هذا السحر ؟! “
سرني كلامه للغاية و سعدت بعثوري على رفيق
يشاركني ولعي بهذا العمل الأدبي شديد الرقي .. و لكنه ما لبث أن فاجأني بكلام لم
أتوقعه أبداً :
– ” و لكنني يا
عزيزي قرأت الرواية لظروف مختلفة تماماً عن الظروف التي قرأتها أنت أو أحد آخر فيها
.. لم تكن مرتفعات وذرينغ جزء من ثقافتي .. بل كانت جزء من تاريخ أسرتي .. أو من
تاريخ منزل أسرتي بعبارة أدق ! “
دق قلبي عند سماعي لهذه الكلمات و توقعت كل شيء
في الدنيا ألا أن أسمع منه الكلمات التالية .. فقد كانت أجمل من كل أحلامي و
تخيلاتي :
– ” ربما لم أحسن
تقديم نفسي لك يا عزيزي .. و لكن دعنا نتدارك الأمر .. فأنا بيتر فرانسيستين طالب
من إنجلترا .. مقاطعة يوركشير و منطقة هيوارث بالتحديد .. “
تركني قليلاً حتى أنضج على مهل ثم واصل كلامه
ملقياً قنبلة هائلة فوق رأسي :
– ” و أقيم في منزل
عتيق حوله مزرعة كبيرة و هذا المنزل بني منذ نحو خمسمائة عام.. منزلنا هذا يحمل اسم
إكليل الغار .. و لكنه و منذ أكثر من ثلاثمائة و خمسين عاماً كان يحمل اسم مختلف ..
اسم مرتفعات وذرينغ !! “
………………………………
لم أكن على استعداد أن أصبر يوماً واحداً بعد ذلك
.. و انتابتني حمي و رغبة مجنونة في أن أقفز في أول طائرة متوجهة إلى لندن و أذهب
مباشرة إلى يوركشير لأقضي الليل في منزل ( مرتفعات وذرينغ ) .. و لكننا كنا في شهر
مايو و الامتحانات على وشك البدء .. و كان يجب أن أركز و أذاكر و أمتحن و أنجح .. و
إلا فلا ذهاب إلى لندن أو حتى إلى عين الصيرة .. هكذا هددتني والدتي إذا لم أجتز
امتحاناتي و بتفوق .. و هكذا أجبرت نفسي على الجلوس كل يوم ست ساعات تحت يد مستر
ستانلي البارزة العظام لكي يساعدني في استذكار دروسي و مراجعتها .. و الحقيقة لا
أعرف كيف مرت على فترة الامتحانات السخيفة هذه .. و لكنني و في اليوم السادس من
يونيو وجدت نفسي في لجنة امتحان مادة ( الدراما ) و هي آخر مادة في جدول الامتحانات
الخاص بقسم اللغة الإنجليزية .. و حاولت إقناع والدتي بالسفر إلى لندن فوراً ، و
لكنها أصرت على انتظار النتيجة لتحدد هل ستسمح لي بالسفر أم لا .. و كان يمكن ألا
يتأخر الأمر إلى شهر ديسمبر و لكن من سوء حظي أنه ؛ و في اليوم التالي مباشرة ؛
حدثت النكسة و ضربت مصر و سوريا و أصبحت البلد كلها ( على كف عفريت ) كما يقولون ..
و حتى بعد ظهور نتيجتي و نجاحي بمجموع معقول فقد توجب علينا الانتظار أسبوع وراء
أسبوع و شهر وراء شهر .. حتى أعيدت حركة الملاحة الجوية إلى طبيعتها و تمكنا أخيراً
من السفر إلى إنجلترا ..
طبعاً يمكنكم تصور حالتي في هذه الأيام الكئيبة
.. كنت أتحرق شوقاً للسفر و رؤية منزل ( مرتفعات وذرينغ ) على الطبيعة .. و الحقيقة
فإنه لولا وجود بيتر الدائم معي و مناقشاتنا المستمرة حول الرواية و المنزل لأصابني
الجنون حتماً .. في أحدي هذه المناقشات سألته سؤالاً كان يحيرني منذ أن تقابلنا
لأول مرة :
– ” أنت قلت أن
منزلكم هو نفسه المنزل الذي حدثت فيه وقائع قصة مرتفعات وذرينغ .. أليست هذه رواية
خيالية و المفروض أن كل تفاصيلها من أشخاص و أماكن من نسج الخيال و لا وجود لها في
الحقيقة ؟! “
فرد على بسرعة و ثقة :
– ” معذور يا صديقي
في سؤالك .. فأنت ممن خدعوا في الأمر مثل ملايين القراء في العالم كله ! “
فسألته بدهشة :
– ” ماذا تقصد ؟!
عن أي خدعة تتحدث ؟! “
تحدبت أذنا بيتر و مط شفتيه بازدراء و أجابني
قائلاً :
– ” الحقيقة أن
إميلي برونتي نجحت في خداعك كما نجحت في خداع الملايين و الملايين من القراء حول
العالم .. فمنذ صدور رواية ( مرتفعات وذرينغ ) عام 1847 و العالم يعتقد أنها كاتبة
مبدعة أتت بقصة رائعة من خيالها .. و لكن يؤسفني أن الحقيقة أقل جمالاً ! “
فقاطعته بلهفة :
– ” أتعني أن إميلي
سرقت الرواية .. أعني أنها نسبت لنفسها رواية ( مرتفعات وذرينغ ) دون أن تكون هي
كاتبتها في الحقيقة ؟! “
فأجابني بيتر و هو يدني وجهه من وجهي و يخفض صوته
و كأنه يفضي بسر خطير :
– ” مرتفعات وذرينغ
ليست قصة خيالية على الإطلاق .. إنها مجرد اجترار لأحداث و وقائع حقيقية حدثت في
هذا المنزل ؟! “
عدت أسأله بلهفة :
– ” و لكن كيف عرفت
إميلي برونتي بتفاصيل هذه القصة .. إنها لم تكن تعيش في هذا المنزل .. أليس كذلك
؟! “
– ” نعم ! و لكن
أنسيت أن والدها كان راعي القرية .. و هذا يعني أنه كان مسموحاً له بدخول أي منزل
من منازل القرية و في أي وقت !لقد كان والد إميلي على علم بتفاصيل هذه القصة
المأساوية التي حدثت لأسرة كانت تقيم في منزل مرتفعات وذرينغ إثناء طفولة إميلي و
لقد كان يثرثر بكل شيء أمام زوجته و أولاده .. و هكذا فإن إميلي لم تكلف نفسها عناء
البحث عن فكرة لقصة .. لأن القصة كانت جاهزة أمامها و لا تحتاج إلا لمن يكتبها و
يضع أسمه عليها ! “
– ” و لكن إميلي
كانت كاتبة مبدعة .. كانت موهوبة حقيقة .. أليس كذلك ؟! “
– ” يبدو أنك مثل
الآخرين لم تحاول أن تسأل نفسك السؤال البسيط : لماذا لم تؤلف إميلي أية رواية أو
قصة أخرى بعد مرتفعات وذرينغ ؟! لماذا عقم خيالها الخصب و نضب معينه بعد عمل واحد
يتيم ! “
كان كلامه قد بدأ يقنعني و إن كنت لا أزال أحاول
أن أدافع بروح يائسة عن أديبتي المفضلة فسألته بقلق :
– ” و لكن إذا كانت
إميلي قد أكتفت برواية قصة حقيقية و نسبتها لنفسها فلماذا لم تقم بتغيير اسم المنزل
على الأقل ؟! و لا تنس أن الرواية ؛ سواء كانت خيالية أو حقيقية ؛ تظهر قدرة إميلي
على السرد و موهبتها الأدبية ! “
– ” لم تغير إميلي
اسم المنزل هذا صحيح .. و لكن لأن المنزل كان قد تغير اسمه عشر مرات بعد وقوع أحداث
هذه القصة المأساوية داخله و تقريباً كان الاسم القديم قد نُسي و لم يذكره إلا
القليلون ، و لا تنكر أن الاسم جذاب رغم كل شيء لذلك فقد احتفظت به إميلي كما هو و
لم تحاول تغييره .. أما اعتقادك بأن الرواية تكشف عن قدرة سردية و موهبة أدبية فهذا
صحيح بلا ريب .. هناك قدرة و موهبة أدبية و لكنها لم تكن قدرة إميلي و لا موهبتها
.. بل موهبة شقيقها برانويل الذي أملى عليها ما تكتبه قبل أن يغادر الدنيا !
و هنا وجدت نفسي أشهق بفزع و تذكرت أنه بالفعل
فإن لـ إميلي شقيق أصغر هو باتريك برانويل الذي توفي بمرض صدري في سن صغيرة و قيل
أنه كان موهوباً مثل شقيقاته :
– ” يا إلهي ..
أتعني أن برانويل هو الذي قام بكتابة القصة و ليس إميلي ؟! “
– ” بل أعني أن
برانويل أملي و إميلي كتبت .. و جاءت وفاته المبكرة لتمنحها فرصة كاملة لتنسب القصة
لنفسها دون خوف من وجود من يفضح خداعها ! “
و هكذا أقنعني بيتر إلى حد دفعني إلى أن أستسلم و
ألقى بسلاحي و لكن ليس قبل أن أسأله السؤال الذي يطن في عقلي :
– ” و لكن لماذا
تفعل شيء كهذا .. هذه الفتاة الرقيقة الجميلة الخلوقة لماذا تقدم على شيء سيء كهذا
؟! “
– ” لأنها كانت
وسيلتها الوحيدة للخلود .. لقد ولدت في أسرة توارثت المرض و الموت المبكر .. و كانت
كل شقيقاتها و أخوها الوحيد برانويل يتمتعون بموهبة أدبية متميزة .. و كان يجب أن
تجاريهم و تكون مثلهم .. كان يجب أن يكون هناك عمل تضع اسمها عليه و يخلدها قبل أن
تفارق الحياة نهائياً حتى لو لم يكن يخصها بالفعل !! “
في مساء اليوم التالي كنت أنا و والدتي برفقة
بيتر في مطار ( هيثرو ) !
………………………………
وصلنا إلى لندن في العاشرة من صباح 11 ديسمبر عام
1967 و نزلنا في فندق ( الملك جيمس ) الفاخر الباهظ كما أسلفت القول .. و كنت قد
اتفقت مع بيتر على أن يصطحبني لمقاطعة ( يوركشير ) لزيارة منزل ( مرتفعات وذرينغ )
و قد قررت و خططت أن أذهب بمفردي معه ، فلم أكن على استعداد لاصطحاب والدتي في هذه
المغامرة لأنها ببساطة كانت سترفض ذلك و بشدة .. لذلك فقد اتفقت مع بيتر على أن
نختلق لها عذراً يسمح لنا بالتغيب عنها بضع أيام على أن نتركها بالفندق .. حاولت
أكثر من مرة فتح الموضوع مع أمي و لكنني فشلت فشلاً ذريعاً فقد كنت غير معتاد على
الكذب .. و لهذا لجأت إلى بيتر الذي تمكن لدهشتي من تلفيق حكاية متقنة لأمي خلال
أقل من دقيقتين و أقنعها بالسماح لي بمرافقته في رحلة خلوية خارج ( لندن ) كما أدعي
، و وافقت أمي بعد أن ألمح لها بيتر بأن الرحلة ستشارك فيها فتيات و قد يكون حضورها
عائقاً أمامي عن المرح !
كانت أمي متحررة أكثر قليلاً من اللازم و تعتبر
المرح و الاختلاط للشبان و الفتيات نوعاً من الفيتامينات المفيدة و التجارب المهمة
و اعتبرت مرافقتي لفتيات إنجليزيات متعلمات مثقفات خيراً من اختلاطي بالساقطات
..
و هكذا ذهبت برفقة بيتر إلى ( يوركشير ) و هناك
ركبنا قطاراً فاخراً حملنا إلى قرية ( هيوارث ) النائية المنعزلة .. حيث الأراضي
المنعزلة و البساط الفقيرة الجذابة التي قضت إميلي برونتي حياتها وسطها .. و الأهم
حيث يقبع منزل ( مرتفعات وذرينغ ) الذي كانت رؤيته أعز و أغلي حلم في حياتي !
………………………………
و أخيراً أنا أقف أمام منزل ( مرتفعات وذرينغ )
شخصياً !
أكدت أجن عندما قادني بيتر عبر سلسلة من التلال
المتجمدة إلى منزل قائم أعلى تل متوسط يقع وسط سلسلة التلال التي لا نهاية لها .. و
كان جانب التل الذي يقع عليه المنزل و كأنه بحر من الثلج إلى حد يُصعب معه أن تدرك
الشكل أو الحجم الحقيقيين للتل .. و كان المنزل هناك ببرجيه المرتفعين في مواجهتنا
.. كنا نقترب منه رويداً رويداً خائضين بحر الجليد هذا ، و كنت كلما اقتربت خطوة من
منزل أحلامي يرتفع نبضي و تزداد ضربات قلبي التي صرت أسمع قرعها بوضوح في أذني .. و
ظللنا نخوض الجليد ثلاثة أرباع الساعة ؛ و لا أبالغ ؛ حتى وجدنا أنفسنا أخيراً
أخيراً أخيراً في الساحة الخارجية للمنزل .. منزل ( مرتفعات وذرينغ ) !
كان هناك إلى جوار المنزل صف من الشجيرات ذات
الشوك تمتد جميع فروعها في اتجاه واحد .. و المنزل نفسه كان متين البنيان ذا نوافذ
ضيقة غائرة و أركان مدعمة بحجارة كبيرة من الخارج .. كدت أندفع و أقتحم المنزل
اقتحاما و لكن بيتر جذبني من ذراعي فجأة و صرخ في أذني بصوت حاول أن يجعله مسموعاً
لي وسط زئير العواصف الثلجية حولنا :
– ” تمهل .. يجب أن
نستأذن أصحاب المنزل أولاً ! “
فصرخت مجيبا إياه و قد أدهشني قوله كثيراً
:
– ” أي أصحاب ؟!
ألم تقل إن هذا منزلكم ؟! “
فأجابني بأعلى صوت ممكن :
– ” بلى ! كان كذلك
حتى عشر سنوات مضت .. لقد باعه والدي لأسرة اسكتلندية .. أعتقد أنها ما زالت تمتلكه
حتى الآن ! “
أدهشني كلام بيتر و كاد أملي يخيب .. إنه لم
يخبرني بشيء من ذلك في القاهرة ، و لا حتى بعد أن وصلنا إلى لندن ، فقد كنت حتى
الآن أعتقد أن مرتفعات وذرينغ ما يزال ملكاً لأسرته .. جذبته من ذراعه و وضعت أذني
بالقرب من أذنه و صرخت في ذعر :
– ” و ماذا لو لم
يسمحوا لنا بإلقاء نظرة على المنزل من داخله .. أعتقد أنني قد أفقد عقلي لو حدث ذلك
! “
ربت بيتر على ذراعي مطمئناً ، ثم تركني خلفه و
بدأ يمشي بثقة نحو باب المنزل الضخم العتيق .. كدت ألحق به ، و لكنه أشار لي إشارة
و قال لي آمراً :
– ” أبق هنا .. لن
يستغرق الأمر إلا دقيقة واحدة ! “
و بالفعل توجه بيتر نحو الباب و دقه دقتين
قصيرتين فُتح على إثرهما الباب ، و برز وجه امرأة عجوز مكتنزة ذات مظهر شرير و وجه
شاهق البياض ، و رأيت بيتر يميل على أذن المرأة و يسر إليها ببضع كلمات ، و رأيتها
تجبه بكلمة واحدة و هي تشير بيدها اليسرى و تبرز منها ثلاثة أصابع و كأنها تقول له
: ثلاثة
لم أكن أفهم ما يدور أمامي بالضبط .. و لكني لم
أستغرق طويلاً في التفكير فقد عاد إلى بيتر و علامات خيبة الأمل مرتسمة على وجهه ..
و أخبرني أن المنزل لا يوجد فيه حالياً إلا هذه المرأة و قد وافقت على إدخالنا و
السماح لنا بالمبيت فيه .. و لكن لها شرط مهم لا تقبل التنازل عنه !
………………………………
بعد ربع ساعة كنت قد تصرفت كما أشار على بيتر و
كنت ؛ يا لسعادتي ؛ أدلف من باب منزل عائلة إيرنشو العتيق .. منزل مرتفعات وذرينغ
الحبيب !
كان على واجهة الباب حليات و زخارف حجرية غريبة
يعلوها التاريخ 1500 و اسم هيرتون ايرنشو .. توقفت متطلعاً ملياً إلى هذه الزخارف
الحجرية و لكن صاحبة البيت بوجهها الطباشيري هتفت بحنق بجملة باللكنة الاسكتلندية
لم أفهم منها حرفاً واحداً .. نظرت إلى بيتر مستفسراً فقال لي :
– ” إنها تريدنا أن
ندخل من الباب الخلفي .. تقول أن لديها سبباً وجيهاً لذلك ! “
و هكذا درنا حول المنزل و دخلنا من الساحة
الخلفية التي كانت تسبح في بحر من الثلج ، و دفع بيتر باباً خشبياً عتيقاً فرأينا
وراءه المرأة الاسكتلندية إياها تحدجنا بنظرات صامتة غير مرحبة ، و قادتنا في صمت
عبر غرفة مخصصة للغسيل ، و ساحة بها مستودع للفحم ، و مضخة ، و برج حمام .. و
أخيراً وصلنا إلى غرفة استقبال ضخمة دافئة تشع بالبهجة .. خلعنا قبعاتنا و ألقينا
أنفسنا على المقاعد الوثيرة المريحة و لكنني فوجئت بالمرأة السمجة تصيح في وجهي ؛ و
كأنها لا ترى سواي أمامها :
أرجوا أن تحاذر في تعاملك مع أثاثاتي أيها السيد
.. إنها موجودة هنا من قبل أن تولد أنت و لست على استعداد لإفسادها لأجل خاطرك !
قالت ذلك بطريقة باردة قاسية و بلكنة يصعب فهمها
، و تعجبت أنها تعاملني أنا بالذات بهذه الطريقة ناسية أنها تسلمت منذ لحظات في
يدها السمينة شيكاً بمبلغ ثلاثون ألف جنيه إسترليني عليه توقيعي !
تجاهلت أسلوبها المستفز و طلبت منها أن تحضر لنا
شيئاً ساخناً نشربه ، فقد كدنا نتجمد وسط الساحة ، و لكنها أجابتني ببرود و هي
توليني ظهرها لتغادر :
– ” أيها السيد
المصري أنت في إنجلترا الآن .. أخدم نفسك بنفسك ! “
و بالفعل غادرت السيدة الغرفة دون أن تبدي أدنى
اهتمام بي أو بـ بيتر المسكين .. و نهضت من مكاني و تفحصت الغرفة ملياً و لاحظت
بجوار المدفأة ؛ التي كانت تشتعل بها نار هائلة ؛ موقد يعلوه رف وضعت فوقه علب من
الشاي و السكر و الحليب و عدد من الفناجين و الملاعق و كذلك براد ضخم تعلوه طبقات
كثيفة من السناج .. و توجهت نحو الموقد لأبدأ في إعداد الشاي و لاحظت على أحد أطراف
الغرفة صفوفاً متتالية من الأطباق المعدنية الضخمة ، و فوقها أواني فضية و كئوس
شراب تصل إلى سقف الغرفة .. أما أعلى المدفأة فقد كانت هناك بنادق كثيرة شريرة
المظهر .. و لاحظت أن أرضية الغرفة ؛ التي كان نصفها ظاهراً و نصفها الآخر مختفياً
تحت بساط خشن لا لون له ؛ مصنوعة من حجر أملس أبيض .. و المقاعد التي غصنا فيها فقد
كانت ذات مساند عالية خضراء اللون .. ربما لا تهمك هذه التفاصيل في شيء .. و لكن كل
من قرأ رواية ( مرتفعات وذرينغ ) يعرف تماماً عما أتحدث .. إن هذه الغرفة نسخة
كاملة التطابق من غرفة الجلوس كما وصفتها إميلي برونتي بنفسها !!
فقط شيء واحد تمنيت ألا يكون موجوداً كما وصفته
إميلي تماماً .. و لكن للأسف فقد كان هذا أيضاً مطابقاً للقصة الأصلية .. فما كدت
أبدأ في التوجه نحو الموقد لأصنع الشاي حتى فوجئت أن الأركان الأربعة للغرفة تحتلها
كلاب ضخمة ذات مظهر مخيف .. ففي الركن أمامي مباشرة استلقت كلبة رمادية ضخمة على
جانبها مظهرة أثدائها المنتفخة و حولها يتزاحم ستة جراء ذات لون رمادي أيضاً و
كانوا يرضعون بشراهة .. زمجرت الكلبة الأم عندما تحركت نحو موقعها و كشرت لي عن
أنيابها كلها .. أخافني هذا و حاولت الاستنجاد ب بيتر الذي كان غائصاً في مقعده حتى
رقبته و يغط في نوم لذيذ غير شاعر بشيء مما يحدث حوله .. و شجع هذا الكلبة الأم
التي فوجئت بها تنهض من رقدتها و تهجم على ساقي .. صرخت منادياً صاحبة البيت و
ألقيت بالكلبة بعيداً ، و لكن عندئذ أندفع لمهاجمتي كلبين آخرين من كلاب الرعي ، ثم
ما لبث أن أنضم إليهم عدد آخر من الكلاب .. و هكذا وجدت نفسي محاصراً من جميع
الجهات بكلاب شرسة متحفزة .. و هكذا فقدت سيطرتي على أعصابي و صرخت بأعلى صوتي
مستنجداً ، فهب بيتر من نومه مذعوراً و اندفعت السيدة صاحبة المنزل آتية من مكان ما
و بيدها مقلاة ضخمة و هاجمت الكلاب بها و أجبرتهم على التراجع .. كانت يديها
عاريتين و خديها حمراوين و وجهها عابس كالعادة و هتفت في حنق :
– ” لابد أنك لمست
شيئاً .. إنهم لا يتدخلون فيمن لا يلمس شيئاً ! “
أغاظني كلامها و كدت أسبها لولا أن بيتر تدخل
طالباً منها إحضار بعض الطعام لنا لأننا ؛ و هذا حق ؛ نتضور جوعاً .. فأجابته
المرأة السمجة :
– ” هناك عشاء على
المائدة .. و بعد ذلك سأقودكم إلى حجرات المبيت “
فذعرت و قلت لها مستنكراً :
– ” مبيت ؟! نحن لم
نشاهد البيت بعد ! “
فأجابتني ببرود :
– ” العشاء و
المبيت فقط هو ما أسمح به هنا ! سأقودكم إلى غرفتين في الدور العلوي مخصصتين للضيوف
و شرطي أن تبقيا فيهما حتى تغادرا في الصباح .. أنا لا أسمح لكل من هب و دب بأن
يتجول في بيتي و يتطلع إلى أشيائي الخاصة يا سيدي ! “
و بهذه العبارات المستفزة قادتنا إلى حجرة مائدة
بهيجة في وسطها مائدة عليها ندف من الطعام لا تسمن و لا تغني من جوع .. كان عشائنا
الذي دفعنا فيه خمسة عشر ألف جنيه إسترليني لا يزيد على عينات من الطعام و كأنها
مُعدة للتحليل و ليس لإطعام الجوعي !
و بعد تناول ما تسميه ( عشاء ) قادتنا السيدة إلى
الدور العلوي و أشارت إلى غرفتين متلاصقتين .. ثم غادرتنا و ذهبت .. و هكذا دلفت
إلى حجرة كئيبة لأقضي أعجب ليلة مرت بي في حياتي .. و لكن ليس قبل أن أتبادل حديثاً
مهماً مع بيتر !
………………………………
وقفت مع بيتر أمام باب أحدى الحجرتين اللتين
قادتنا إليهما صاحبة البيت السمجة و تبادلت معه حديثاً طويلاً غاضباً .. كنت حانقاً
على أسلوب هذه المرأة في التعامل معنا ، و أشعر بفداحة الخسارة التي تكبدتها هذا
اليوم .. ثلاثون ألف جنيه إسترليني لمجرد ألقاء نظرة خاطفة على حجرة الجلوس و
المرور عبر حجرات الطبخ و الغسيل و المبيت في غرفتين لا يساوي الأثاث في أي منهما
ثلاثون جنيهاً مصرياً و ليس إسترلينياً ، هذا إذا تجاوزنا عن ( وليمة ) العشاء و
اعتبرناها من ضمن واجبات الضيافة الاسكتلندية !
أبديت ل بيتر غضبي و سخطي و قلت له إنني عازم على
أن أستمتع بإقامة كاملة لا تقل عن أسبوع في منزل ( مرتفعات وذرينغ ) و إلا فسيكون
لي تصرف آخر مع صاحبة البيت اللعينة هذه !
و هنا و لدهشتي شحب وجه بيتر شحوباً شديداً و
أصابه اضطراب غريب و أخذ يتأتيء و يفافيء مدعياً أنه ليس من حقنا التواجد في أملاك
السيدة الخاصة ما لم تسمح لنا بذلك و أن البوليس الإنجليزي صارم جداً فيما يخص
التعدي على أملاك الناس الخاصة .. فلما صحت في وجهه أن هذه اللعينة حصلت على ثلاثون
ألف إسترليني مقابل لا شيء و هددته بوقف صرف الشيك و منعها من الحصول على جنيه واحد
زاد اضطرابه و بدأت شفتاه ترتعشان و راح يحاول تهدئتي و إقناعي بأنه سيتحدث إلى
السيدة و يقنعها بالسماح لنا بالبقاء فترة أطول .. و فجأة رأيت تعبيراً غريباً على
وجه بيتر .. لم يستغرق مروره على وجهه أكثر من لحظة لكنني لحقته و رأيته بوضوح قبل
أن يتلاشى من ملامح بيتر المرتعبة المذهولة !
ربما أكون ثرياً مدللاً و إلى حد ما معتوهاً .. و
لكنني أبداً لم و لن أكن غبياً على الأقل ليس إلى الحد الذي يمنعني من أن أدرك أنني
ضحية عملية نصب !
عملية نصب بارعة خطط لها و نفذها فتى إنجليزي سمج
لا يساوي ثلاث مليمات أستغل رغبتي الجنونية في رؤية منزل ( مرتفعات وذرينغ ) كما
أتوهم ! و طبعاً لم أكن بحاجة إلى استجواب بيتر لأتأكد أن هذا المنزل الذي سنقضي
فيه ليلتنا لا علاقة له من قريب أو بعيد بمرتفعات وذرينغ أو بإميلي برونتي .. بل
لعل هذه القرية ليست قرية ( هيوارث ) على الإطلاق !
و هكذا و بهذا الفهم الجديد تركت بيتر واقفاً في
الردهة محدقاً في الفراغ بأذنين محدبتين كالأبله .. و دلفت إلى الحجرة لأبيت ليلتي
عازماً على إرجاء تأديب بيتر و شريكته في النصب إلى الصباح .. و الصباح كما يقولون
في بلدي رباح .. إلا إنه أحياناً ما يكون خسران أيضاً !
………………………………
لم يكن بالغرفة المخصصة لي سوى كرسي و صندوق طويل
للملابس ، و خزانة خشبية كبيرة لها فتحات مربعة في أعلاها ، و لم تكن هذه طبعاً إلا
سرير غريب قديم يستخدم الطرف العريض منه كمنضدة .. و طبعاً كان هناك على الرف كتب
قديمة مكومة في ركن مغطي بكتابات مخدوشة على الطلاء .. تمام و نعم النصب و لكن يبدو
أنه قد فاتهم شيء ما .. ولكن لا بالفعل كانت الكتابات تكرار لأسم كاترين ايرنشو
يليه كاترين هيثكليف ثم كاترين لينتون
أخذت أول كتاب من كومة الكتب و طبعاً كان اسم
كاترين ايرنشو على الصفحة الأولى و تحته تاريخ يرجع إلى حوالي مائة و واحد و تسعون
عاماً .. جيد جداً لقد حسبوها بدقة !
و طبعاً كانت الكتب مملوءة بكتابات صبيانية هي
نسخة كاملة المطابقة للكتابات التي رآها السيد لوكوود حينما دفعه سوء حظه للمبيت في
مرتفعات وذرينغ تحت سقف السيد هيثكليف الغريب الأطوار !
تفحصت الكتب و ما عليها من كتابات قليلاً شاعراً
بخيبة الأمل و بطعم مرير في حلقي لم أعرفه من قبل .. و لكن كم كنت أتمنى لو كان كل
هذا حقيقياً .. ليته كان حقيقياً !
تمددت على الكرسي الوحيد في الغرفة ، بعد أن
أحكمت إغلاق الباب فلا أعرف ما يدبره بيتر مع هذه الزكيبة السمينة ، و رقدت لنحو
ساعة مفتوح العينيين منتبهاً تماماً لأي حركة تمثيلية أخرى قد يقدم عليها بيتر و
شريكته .. و لكن لا أظن ، فقد أدرك الإنجليزي السمج جيداً أنني فهمت لعبته و كشفتها
، فلا حاجة به إلى مزيد من حركات النصب !
فجأة سمعت صوت أمي في أذني مباشرة .. أجفلت و
هببت من مكاني واقفاً في ذعر .. و لكنني لم أجد أحداً و أدركت أنني كنت قد بدأت
أغوص في النوم و احلم دون أن أدري .. عدت للرقاد مستسلماً لسنة من النوم القلق
!
………………………………
لا أعرف كم بقيت غافياً و لكنني فجأة سمعت صوتاً
قريباً جداً مني يهمس :
– ” يوم أحد مزعج..
آه لو كان أبي حياً ! “
فصحوت مذعوراً و فتحت عيني على إتساعهما و أخذت
أحدق حولي في كل مكان و لكن لم يكن ثمة أحد هناك .. فأغلقت عيني محاولاً العودة
للنوم
– ” إن المطر ينهمر
طوال اليوم ! “
مرة أخرى عاد الصوت ففزعت حقاً هذه المرة و كدت
أهرع خارجاً .. و لكنني تذكرت جيداً أن هذه العبارات بالذات من الرواية فشعرت
بالاطمئنان .. و فكرت أن نومتي القلقة على الكرسي هي سبب الكوابيس التي أراها ..
فغادرت الكرسي و توجهت نحو الفراش المطوي و فردته و تمددت فوقه شاعراً ببعض الراحة
..
و لكن النوم في الفراش لم يجلب لي الراحة أو
النوم المطمئن كما توهمت .. فقد أخذت أرى كابوساً وراء كابوس ..
كان بيتر يدلني على البيت ، و لكنه قادني بدلاً
من ذلك إلى كنيسة صغيرة مررنا عليها في طريقنا إلى هنا.. و كان حديث الواعظ ينقسم
إلى أربعمائة و تسعين جزءا .. و أصابني الإرهاق و القلق و بدأت رأسي تتمايل .. و
فجأة سمعت صوت الواعظ يدوي كالرعد و هو ينادي على المصلين مطالباً إياهم بمعاقبتي
على فجوري ..و رأيت كل المصلين يندفعون نحوي و في يد كل منهم عصا مرفوعة و أخذت
أتصارع مع أقرب مهاجم لي ، و كانت المرأة البدينة شريكة بيتر في النصب .. و امتلأت
الكنيسة بصوت الضربات .. و أخذ صوت الضربات يرتفع حتى استيقظت ..
تقلبت في سريري لاعناً ( مرتفعات وذرينغ ) و
اليوم الذي قرأت فيه ( مرتفعات وذرينغ ).. و نمت ثانية رغم إنني كنت أسمع صوت الريح
ونقرات رتيبة على النافذة من الخارج ..
و نمت لفترة لا أعرفها و لكنني صحوت للمرة
الثالثة على صوت النقر على النافذة ، فنهضت عازماً على إسكاته إلى الأبد .. و دفعت
النافذة بقوة فانفتحت على مصراعيها .. آه هذه من الأشياء القليلة التي فاتت على
النصابين ، فقد كان يجب أن تكون النافذة متيبسة و عصية تماماً على الفتح .. و صممت
على أن أفاجيء من يدق خارجاً متلبساً و سأجعلها فضيحة .. و لكنني لدهشتي عندما فتحت
النافذة لم أجد أحداً .. و رغم أنني أخرجت نصفي من النافذة و مسحت المنطقة بأكملها
ببصري محاولاً العثور على خيال أو ظل يركض أو مختبيء هنا أو هنا و لكنني لم أجد
أثراً لمخلوق .. في هذه المرة لم يكن بوسعي الإخلاد إلى النوم و ترك النصابين
يمارسون ألاعيبهم على أكثر من ذلك .. فأغلقت النافذة من الداخل و جذبت المقعد و
جلست قبالتها تماماً لأتمكن من مباغتة أي أحد يقترب منها ليدق عليها .. و بقيت في
هذا الوضع منتبهاً و مبحلقاً بعيني أكثر من ساعتين حتى أصابني التعب و أرهقت عيناي
و كلتا من تركيز النظر على النافذة .. و بعد دقائق بدأت أجفاني تثقل و بدأ رأسي
يسقط مرة بعد مرة فوق صدري .. و لم أستطع المقاومة أكثر من ذلك و نمت !
و لكنني بعد أقل من دقيقة واحدة صحوت على أغرب
شيء رأيته في حياتي .. في البداية سمعت صوت تهشيم طفيف فبربشت بعيني فزعاً .. و لك
أكد أنهض من مكاني حتى فوجئت بزجاج النافذة يتهشم كله دفعة واحدة .. لم يكن تهشماً
عادياً مثل الذي يحدثه ألقاء طوبة أو زلطة من الخارج .. بل كان تهشماً وحشياً
مفاجئاً و كأن طوربيد عبر النافذة و هشم زجاجها .. هببت واقفاً و تصلبت في مكاني
وسط شظايا الزجاج التي تملأ المكان و أحسست بأن قدمي قد تحولتا إلى لوحين من الثلج
.. و بعد دقيقة .. لا بل أقل من دقيقة وجدت وجه شابة صغيرة غريبة الشكل يحدق في من
بين أضلاف النافذة المغلقة !
………………………………
هذه المرة صرخت بأعلى صوتي .. لا لا النصب يجب أن
يكون له حدود و اللعبة يجب أن تتوقف الآن .. حدقت لحظة كالمسحور في وجه الشابة ثم
فقدت كل سيطرة على نفسي ، خبلني الفزع لدرجة أنني خطفت سترتي من فوق مسند الكرسي و
هرعت كالمجنون نحو باب الغرفة .. و لكنني قبل أن أنتقل خطوة من مكاني مدت يدها و
قبضت على يدي بقبضة كالحديد .. كانت أصابعها صغيرة و باردة كالثلج ، أصابني رعب لم
أعرفه في حياتي من قبل .. أخذت أجذب يدي بعنف محاولاً استرجاعها و لكن دوي جدوى ..
فقد استمرت الشابة المعلقة أمام النافذة تقبض عليها كالملزمة و أخذت تردد بصوت
نحاسي غريب جمد الدم في عروقي :
– ” دعني أدخل ..
أرجوك دعني أدخل ! “
فسألت و أنا أحاول تحرير نفسي دون جدوى :
– ” من أنت .. من
أنت ؟! “
فأجابتني بصوت منتفض :
– ” إميلي برونتي
.. لقد عدت للبيت .. لقد ضيعت طريقي في البقيع ! “
و سمعتها تصرخ بصوت خبلني فزعاً :
– ” دعني أدخل ..
أرجوك دعني أدخل ! “
كنت في ذهول مما اسمع و أرى .. لا يمكن ، مستحيل
أن يكون كل هذا نصب ، مستحيل .. كان كل همي الآن منحصراً في تحرير يدي من قبضتها
العاصرة .. فهداني تفكيري إلى أن أقول :
– ” إذا كنت تريدين
أن تدخلي فاتركي يدي لأستطيع أن أفتح لك النافذة .. اتركيني إذا أردت أن أدخلك
! “
حدقت في وجهي للحظة ثم تراخت أصابعها .. فسحبت
يدي بسرعة و جريت بسرعة البرق ؛ بعد أن اختطفت سترتي من فوق المقعد ؛ نحو باب
الغرفة .. و فتحته ملهوفاً و بمجرد أن صرت خارج الغرفة حتى انطلقت إلى غرفة بيتر
الملاصقة لي و دققت الباب بعنف عشر دقائق متواصلة دون أن أحصل على رد !
أصابني قلق و خوف زادا من رعبي فضربت باب الغرفة
بقدمي ضربة بالغة العنف فأنفتح على الفور .. و لكن الغرفة كانت خالية تماماً و لا
أثر لأحد هناك !
شعرت للحظة بانعدام وزن و بأنني لا أفهم شيئاً و
زاد رعبي .. فأطلقت كالمجنون هابطاً السلم المرتفع كل أربع درجات في نفس واحد و أنا
أنادي على صاحبة البيت .. و عندما وصلت إلى الطابق السفلي أخذت أصيح و أنادي
كالمجنون على بيتر و على صاحبة البيت و لكن دون جدوى .. فانطلقت نحو الباب الخارجي
محاولاً فتحه و الخروج منه بأي ثمن .. و لكن خاب ظني للمرة الثانية ، فقد كان الباب
محكم الإغلاق و يبدو أن أحداً ما أغلقه من الخارج بشدة .. و كذلك كان حال النوافذ
التي كانت كلها مغلقة من الخارج بإحكام أشد !
………………………………
لا أدري كم بقيت مكوماً بجوار باب المنزل الخارجي
.. و لكن كل ما أتذكره أنني ظللت منكمشاً على نفسي كالطفل التائه على العتبة
الداخلية الحجرية فترة لا اعلم مداها بالضبط .. و أثناء هذه الفترة شاهدت أشخاصاً
غامضين يحومون و يطفون حولي و كأنهم رغاوي صابون و رأيت و سمعت كل أنواع الكلمات
الغريبة و الجمل الغامضة و كنت أرى كل لحظة وجه السيدة التي حطمت النافذة في الحجرة
العلوية يطل على من مكان مختلف .. تطل على و تتوسل إلى أن أدعها أدخل .. و الغريب
الغريب أنها كانت بالداخل فعلاً ، فلما تتوسل إلى أن أدخلها ؟!.
و ظللت هكذا حتى غلب اليأس و خيبة الأمل على ذعري
و خوفي فصرخت في وجهها :
– ” أنك في الداخل
فعلاً يا حمقاء ؟! “
و عندئذ رأيت دموعاً لؤلؤية تنساب من عينيها
الواسعتين الجميلتين . كانت تبكي !
كانت تبكي و قالت لي بصوت لم أسمع مثله من قبل
:
– ” إن روحي
بالخارج .. إنها تهيم بالخارج .. دعها تدخل ! “
سحرني منظر شبحها الصغير و هو يبكي و لكن خوفي و
رعبي جعلني قاسياً فقلت لها في حدة :
– ” أبعدي .. لن
أدعك تدخلين مطلقاً .. حتى لو توسلت لمدة مائتي سنة ! “
فقال صوتها الحزين :
– ” إنها مائتي سنة
.. مائتي سنة ! إنني أهيم من مائتي سنة !! “
و مرت بي خيالات غريبة و رؤى مفزعة .. و بعد فترة
فقدت كل أمل في الخروج و كل ما تبقي لدي من صبر فصرخت بأعلى صوتي !
………………………………
بعد أن أفقت وجدت نفسي راقداً في منزل قروي صغير
نظيف عند أطراف قرية هيوارث .. فقد ساق إلى القدر قروي طيب كان ماراً بالقرب من
المنزل الذي كنت حبيساً فيه و سمع صوت صرخاتي فحطم الباب بفأسه و أخرجني بعد أن
أشرفت على الهلاك و الموت جوعاً و برداً !
و من تاريخ اليوم عرفت أنني بقيت مكوماً بجوار
الباب ثلاثة أيام بلياليها !
رغم كل محاولاته للرفض أصررت على منح القروي
الطيب الذي أنقدني و راعاني أسبوعاً كاملاً حتى تمكنت من استرداد صحتي شيكاً صغيراً
..
و كان أول شيء فكرت فيه بعد أن عاد إلى صوابي هو
أن أتقدم ببلاغ إلى الشرطة الإنجليزية ضد النصاب المسمى بيتر فرانسيستين و شريكته
التي لا أعرف لها أسماً .. و لكنني أرجأت تنفيذ ذلك إلى أن أعود إلى لندن أولاً و
أطمئن أمي .. التي لابد أنها تكاد تموت قلقاً على !
………………………………
عدت إلى لندن في الخامس من يناير فوجدت أمي
تماماً كما تخيلت .. بل وجدتها أكثر قلقاً و ذعراً أكثر مما تصورت بمراحل ، و قد
قلبت إنجلترا بحثاً عني ، و استأجرت ضابط شرطة متقاعد يعمل في مجال التحري الخاص
للبحث عني قبل أن تتقدم ببلاغ رسمي لشرطة إسكتلنديارد باختفائي !
كنت شاحباً مرتجفاً عندما وصلت إلى فندق الملك (
جيمس ) لأجد كل رواد الفندق و كل من يعملون به يعلمون بغيابي و بأن أمي تبحث عني
..
و لا أستطيع أن أصف لك حالة أمي عندما وجدتني
أمامها في غرفتها .. صرخت دهشة و سعادة و قفزت ، و كأنها ابنة عشرين ، و طوقت عنقي
بذراعيها و أغرقتني بقبلاتها و دموعها و أخذت تبكي و تشهق و تتساءل عن سبب غيابي
عشرة أيام كاملة دون أن أتصل بها أو أرسل لها رسالة لأطمئنها على ..
لم أكن راغب في إزعاج أمي و إخبارها بعملية النصب
الرهيبة التي تعرضت لها .. لأنها ستحزن من أجلي كثيراً و ستغضب أكثر من أجل المبلغ
الضخم الذي فقدته .. لذلك فقد بررت لها تأخري في العودة بأن رحلتي الخلوية مع بيتر
و رفاقه طالت أكثر مما توقعنا و ذهبنا إلى أماكن نائية في إنجلترا ..
حدقت أمي في وجهي بدهشة و سألتني بحذر :
– ” بيتر ؟! بيتر
من ؟!! “
فأجبتها بهدوء و قد خلتها نسيت بيتر كما تنسى كل
شيء بسرعة البرق :
– ” بيتر يا أمي ..
بيتر فرانسيستين الطالب الإنجليزي الذي تعرفت عليه في جامعة القاهرة و قدمته إليك
في مصر و الذي جاء معنا إلى لندن على نفس الطائرة ! “
كانت والدتي تنصت إلى و هناك تعبير غريب مرتسم
على وجهها لا أعرف كيف أصفه .. المهم أنها ظلت تحدق في وجهي حتى فرغت من كلامي
فأمسكت ذراعي و قادتني نحو الفراش و أجلستني بجانبها و أخذت تربت على ظهري و كأنني
طفل صغير ثم قالت لي فجأة بمنتهي الهدوء :
– ” لقد أتينا
بمفردنا من مصر ! ليس هناك شخص أسمه بيتر جاء معنا ! “
انتثرت واقفاً و قد انتابني الغضب و قد خلت أمي
تمزح معي في هذه الظروف الصعبة فصرخت في وجهها ربما لأول مرة في حياتي :
– ” بيتر يا أمي ..
بيتر هل نسيتيه بهذه السرعة ؟! لقد قدمته لك في القاهرة و جاء إلى منزلنا مرتين و
جاء معنا إلى لندن و هو الذي أقنعك بالسماح لي بالذهاب معه إلى الرحلة الخلوية
عندما طلبت منك ذلك و رفضت .. ألا تذكرين كل ذلك ؟!! “
كنت أصرخ كالمجنون ووقفت أمي حائرة عاجزة عن
إيقافي فلما توقفت أخيراً مجهداً اغتنمت الفرصة و أمسكت بي و أجبرتني على الاستلقاء
في الفراش و قالت لي و هي تدثرني بالأغطية :
– ” لا عليك يا
حبيبي ! فقط نم و أسترح و عندما تستيقظ ستكون بحال أفضل ! “
و لكنني أصابني فجأة نوبة عصبية رهيبة فرميت
بالأغطية على الأرض و أجريت كالملهوف مغادراً الغرفة و عبرت الممر الطويل كالبرق و
أمي تجري خلفي و تناديني مراراً دون أن ألتفتت إليها .. و غادرت الفندق كله و
انطلقت إلى الميدان الفسيح و هناك وثبت في داخل أول سيارة تاكسي صادفتها و أمرت
السائق بالانطلاق إلى مكتب شركة الطيران التي جئنا على متن احدي رحلاتها .. و عندما
وصلت إلى المكتب و دخلت و كان أول من صادفته هناك موظف عجوز ذو شارب أشيب كثيف
للغاية فأخرجت من جيبي حزمة من الجنيهات الإسترلينية و طلبت منه أن يأتيني فوراً
بأسماء كل الركاب الذين كانوا على متن الرحلة ( 565 ) القادمة من القاهرة في الحادي
و العشرين من ديسمبر !
و لكن الموظف نظر إلي باستغراب و تعجب ثم نظر إلى
رزمة الجنيهات بدهشة أكبر و تطلع إليها قليلاً .. و بعد دقيقتين تحدث إلى بصوت
هاديء رزين :
– ” آسف يا سيدي ..
أنا مجرد موظف استقبال و ليست لدي المعلومات المطلوبة .. يمكنك أن تسأل الآنسة
كيمبرلي في المكتب الثالث على يمينك .. فهي المسئولة عن جداول الرحلات و قوائم
الركاب “
و لم أكد أسمع ذلك حتى هرعت نحو المكتب المطلوب
كالمجنون و لكن الموظف العجوز صاح منادياً إياي لما عدت إليه دفع رزمة النقود نحوي
و على وجهه تعبير حازم لا مزاح فيه .. فتناولت النقود و ألقيتها في جيبي بإهمال حتى
أن كثير منها تساقط على الأرض دون أن أنتبه إليه .. و هرعت نحو المكتب الثالث على
اليمين
و بعد عشر دقائق خرجت من المكتب و في يدي قائمة
كاملة بأسماء كل من كانوا على متن هذه الرحلة المشئومة .. و لم يكن فيهم أبداً
فرانسيستين .. و لا بيتر فقط حتى !!
………………………………
ليس هناك بيتر في قائمة الرحلة .. و ليس هناك
اسكتلندية عجوز تستأجر منزل مرتفعات وذرينغ في قرية ( هيوارث ) .. و ليس هناك بيتر
فرانسيستين في جامعة القاهرة ..و ليس هناك بيتر فرانسيستين في لندن .. و ليس هناك
بيتر فرانسيستين في أي مكان !!
و ليس هناك منزل مرتفعات وذرينغ أصلاً !!
و ما هو إلا منزل عتيق مغلق مهمل تابع لبلدية
يوركشير متروك لزمن و لعبث الصبية الذين اعتادوا على التسلل إليه للعبث و التدخين و
تعاطي الممنوعات بعيداً عن أعين الكبار ..
و ليس هناك أطباق معدنية على الجدران و لا أواني
فضية و لا كئوس شراب .. و لا بنادق شريرة المظهر و لا أرضيات حجرية بيضاء و لا
كراسي ذات مساند عالية مطلية باللون الأخضر و لا كلبة أم و لا كلاب رعي شرسة ..
فالمنزل خالِ تماماً من الأثاث .. و ليس به إلا أرضيات محطمة و أبسطة من تراب تغطي
كل شيء فيه ..
أما الباب المغلق فقد كان مغلقاً بالفعل .. و لكن
من الداخل و ليس من الخارج !
و طبعاً ليس هناك إي شيك لحامله بمبلغ ثلاثين ألف
جنيه إسترليني تم صرفه من بنكنا في لندن .. الشيك كُتب و لكنه كان ملقي على الأرض
بالقرب من المدفأة المحطمة حيث وجده بعض الصبية المتسللين .. و لكنهم لم يستطيعوا
الانتفاع به .. حمداً لله أن أمي وقفت صرف أي شيك عليه توقيعي !
………………………………
عدت إلى القاهرة بعد فترة نقاهة من تجربتي التي
لا أستطيع أن أسميها مريرة .. بل كانت تجربة عجيبة غريبة ..
لم أعد بعدها لقراءة رواية ( مرتفعات وذرينغ )
لأن أمي أحرقت جميع نسخ الرواية التي كانت العربية منها و الإنجليزية .. على الأقل
لم أعد أقرأها أمام أمي في البيت ..
لم يعرف أحد ما الذي حدث بالضبط .. لم يفهموا ذلك
و لكنني أفهمه !
إن كل كاتب عندما يكتب عملاً فإنه يترك جزءً من
روحه داخله .. ( مرتفعات وذرينغ ) هي العمل الوحيد الكبير لإميلي برونتي .. لذلك
فقد تركت روحها كلها داخلها .. أنا عشقت الرواية .. أنا لمست روحها الموجودة داخل
الرواية .. لذلك كان من اللازم أن تستدعيني لأقابل روحها .. لتلمسني مرة كما لمستها
ألف ألف مرة !
Advertisements
تعليقات
  1. سناء السعدي كتب:

    القصة كتيير حلوة وانا بصراحة مع انها غامضة بس حبيتها كتير كتير كتير …. كاتب مبدع ♥

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s