مصاص دماء دوسلدورف

Posted: 08/07/2011 in مخلفات مدونتي

في أحد الأيام وصل إلى رجال الشرطة خطاب صغير يحوي عدة أبيات من الشعر، وهي..

“جريمة في سابينديل..
في مكان رسمت فيه إشارة الصليب..
حيث لا ينبت العشب..
ترقد جثة تحت الأرض..
يعلوها حجر كبير..”

وبالبحث في المكان الذي وصفه القاتل تبين وجود جثة فتاة مراهقة ممزقة بخمسة وثلاثين طعنة بالإضافة إلى الأشياء التقليدية من قطع الأذنين والصدغين وإخراج الأحشاء كلها، ولكن الجديد أنه من الواضح أن الجثة قد نقلت من مكانها أكثر من مرة، حيث سئل “بيتر” عن ذلك فيما بعد، فقال إنه كان يتلذذ برؤية جثة ممزقة خاصة به!!

وقد بعث “بيتر” برسالة إلى والدة الفتاة أخبرها فيها بأنه قد قتل ابنتها ومثل بجثتها، كما أنه شرب دمها لأنه يحتاج إلى الدماء كما يحتاج الباقون إلى الماء!! وأصيبت الأم بحالة هستيرية بعد قراءتها الرسالة، وتم نقلها إلى مستشفى الأمراض العقلية..

واستمرت الجرائم الوحشية لمدة خمسة عشر شهرا متواصلة، وأعداد الفتيات القتيلات في تزايد مستمر وشرب الدماء في تزايد مستمر أيضا..

استطاع القاتل إثارة الذعر في مهرجان سنوي حين طعن ثلاثة أشخاص في غضون ساعتين، كما قام بضرب أم وابنتها على رأسيهما بالمطرقة إلا أنهما نجتا بأعجوبة..

وفي أواخر عام 1929م -عام التألق والازدهار- ارتكب “بيتر” جريمة بشعة حين قام بتتبع فتاتين صغيرتين في طريق مظلم، ثم اقترب منهما، وطلب من الكبرى شراء سجائر له، وحين ذهبت، قام بخنق الصغرى التي تبلغ من العمر 5 سنوات، ثم قام بفصل رأسها وشرب دمها، وحين وصلت الأخت الكبرى ورأت ذلك المنظر البشع لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة، بل ظلت تنظر بذهول إلى ما يحدث وعيناها ممتلئة بدموع عدم الفهم، لكنه لم يتركها على هذه الحال لمدة طويلة، بل قام إليها بكل هدوء، وفي لحظات كان قد أتم عمله على أكمل وجه..

واستنكرت البلاد كلها هذه الجريمة الشنيعة التي أثارت موجة رهيبة من الاستياء بين أفراد الشعب، وتم التشهير بالشرطة، وأصبحت المسألة سياسية، حيث اتهمت أحزاب اليمين المتطرف حكومة البلاد بأنها ضعيفة متراخية، فردت الأخيرة بعرض خمسة آلاف مارك لمن يساعد الشرطة في القبض على السفاح الرهيب..

ولكن يجب أن تنتظر الشرطة عدة أشهر قبل انتهاء هذا الكابوس، الذي جذب انتباه أوروبا كلها، حيث يجب أن تضع الصدفة يدها في الأمر كالعادة لكي يتم حله، وهو ما حدث بالفعل..

ففي يوليو 1930م، وصل خطاب عن طريق الخطأ إلى السيدة “بروغمان” بدلا من السيدة “بروكنر”، وحين قرأت الخطاب وجدته موجها من فتاة في دوسلدورف تصف فيه كيف أنها وصلت إلى تلك المدينة التي لا تعرف فيها أحدا لتبحث عن عمل، ولكن بمجرد وصولها لاحظت وجود رجل وسيم يتطلع إليها بشدة لفترة طويلة، ثم اقترب منها ببطء وبدأ في مغازلتها بطريقة فجة، ولم تستطع إبعاده عنها حين بدأ في الإمساك بها بقوة من رقبتها، ولكن رجلا انقض عليه فجأة وطرحه أرضا، وساعدها على النهوض وحين علم أنها جديدة في تلك المدينة عرض عليها أن يوصلها إلى مكان تقضي فيه ليلتها، وبعد موافقتها تناولا شرابا منشطا في منزله ثم اتجها في طريقهما، ولكن في الغابة، تحول الرجل الشهم إلى وحش مفترس حاول الانقضاض عليها، إلا أنها قاومته بشدة، فأمسك برقبتها وشد عليها بشدة، إلا أنه أرخى قبضته فجأة وسألها “هل ستذكرين أين أسكن”.. فأجابت برباطة جأش بالنفي، فقام ودلها على الطريق ثم اختفى في الظلام..

ومن الغريب أن “ماريا” –وهو اسم الفتاة– لم تقدم أي شكوى، ولكنها بعثت فقط بالرسالة إلى صديقتها تشرح فيها كيف أنها أعجبت جدا بهذا الرجل “العنيف غريب الأطوار” وأنها تتمنى لو تراه مرة أخرى!!..

وهكذا شاءت الصدفة أن تقع الرسالة في يد السيدة “بروغمان”، والتي رأت فيها بعض ملامح مصاص الدماء، لذلك فقد سارعت إلى الشرطة تبلغهم بما عندها، فمبلغ 5 آلاف مارك يمكنه أن ينسي الفرد حرج قراءته لخطابات الآخرين..

وبسرعة بدأ البحث عن “ماريا” حتى تم العثور عليها، وكانت المفاجأة أنها تذكر جيدا مكان سكن الرجل الذي هاجمها، حيث قرأت اسم الشارع على ضوء الأنوار، وبعد قليل كانت تجوب شارع “ميتماتر ستراس” باحثة عن البيت الصحيح، ولم يمضِ وقت طويل حتى وجدته، وحين طلبت الشرطة من حارس المبنى الصعود معهم كان متأكدا من وجود خطأ ما، حيث إن السيد “بيتر” الذي يسكن الطابق الأخير هو من أهدأ السكان وأفضلهم على الإطلاق..

ولكن لم يكن هناك أحد في البيت، وظلت الشرطة تطرق الباب لوقت طويل دون جدوى، وفجأة انتبهوا إلى وقع أقدام تهبط بسرعة إلى الأسفل، لقد صعد “بيتر” إلى شقته لكنه وجد الشرطة ومعها الفتاة التي حاول الاعتداء عليها منذ أيام ففهم كل شيء ولاذ بالفرار بسرعة البرق..

وحتى الآن لم يكن لدى الشرطة أية اتهامات ضد “بيتر كورتن” سوى محاولة الاعتداء على فتاة، لكنه هرب بسرعة إلى أطراف المدينة، وبات ليلته في أحد الفنادق الرخيصة، وفي الصباح أرسل إلى زوجته طالبا رؤيتها، لقد فكر خلال الليل لفترة طويلة واتخذ قراره النهائي.. وفي مذكراته نجده يشرح هذه اللحظات –لحظات لقائه بزوجته- بهذه الكلمات “اليوم -23 مايو 1930م– في الصباح أخبرت زوجتي بكل شيء عني، وأنني مصاص دماء دوسلدورف، مما جعلها تنهار، حيث إن ذلك يعني سجني مدى الحياة أو إعدامي، وبدأت تتكلم عن صعوبة الحياة لفترة طويلة، ثم اقترحت عليّ أن أقتل نفسي وتقتل هي نفسها للخلاص من العذاب والعار، وهو اقتراح كاد يلاقي قبولا شديدا مني لولا أنني قد اتخذت قراري، لقد أخبرتها أنه بإمكاني مساعدتها”..

ربما لأول مرة في حياة “بيتر” يقدم على عمل خير، اتفق مع زوجته على أن تبلغ عنه في مقابل مكافأة الخمسة آلاف مارك!! ولم يحتج الأمر إلى كثير من الإقناع في عدم وجود أي بدائل أخرى.. وهكذا، وفي يوم 24 مايو 1930م توجه “بيتر” إلى كنيسة قريبة، والتي كانت محاصرة تماما بقوات الشرطة، انقضوا جميعا عليه بمجرد ظهوره، إلا أنه ابتسم وقال بهدوء: “لا داعي للخوف الآن”!!

واستغرب البعض موقف الزوجة شديد الهدوء في ذلك الوقت، إلا أن “بيتر” قال: “إنها تملك حسا مرهفا، وقد تحملت الكثير خلال زواجنا، وأعلم أنها تقدر تماما لماذا قمت بكل هذه الأعمال التي تعتبرونها مخالفة للقانون، فهي تحبني وتقدرني بشدة”..

وبمجرد وضع “بيتر” في السجن بدأ سيل من المعلومات عن جرائمه يتدفق من بين شفتيه، وقد قال لأحد الأطباء النفسيين الذين أتوا لدراسته بأنه لا يجد حرجا ولا يصاب بالندم حين يتذكر أعماله، فإحياء تفاصيلها لا يزعجه، بل يفرحه!!

وروى “بيتر” لأطبائه حلما كان دائما يراوده، حيث كان يرى سكان دوسلدورف يكرمونه ويقيمون له التماثيل لأنه أنهى عهد الرعب الذي زرعه في نفوسهم مصاص الدماء، مما كان يعبر عن رغبة داخلية بالقضاء على الشر المترسخ بداخله، كما أنه كثيرا ما كان يستشهد بفقرة من كتاب “جوليت” والتي يقول فيها “ساد” الكاتب “منذ القدم وجد الإنسان لذة في إراقة دماء أخيه الإنسان، وقد رد هذه اللذة إلى العدالة أو إلى الدين، لكن هدفه كان دائما المتعة التي يلقاها بقتل الغير”!!

وهكذا تم تقديم “بيتر” إلى المحاكمة بعد أن شهد الأطباء بأنه قد يكون مصطرب الشخصية، لكنه كان في نظر القانون الألماني سليم العقل تماما، خاصة بعد أن نجح في تضليل الشرطة لأكثر من خمسة عشر شهرا بحيله ومهارته..

وخلال المحاكمة اعترف “بيتر” بالقيام بأكثر من خمسين جريمة، لم يتم اكتشاف أكثرها، ورفض تماما إدعاء الجنون الذي حاول الدفاع أن يبني عليه مرافعته، بل شهد أمام الجميع بأنه في كامل قواه العقلية، وبأنه يفخر بكل ما فعل!! ولذلك، وبعد ساعة ونصف فقط من المداولات، حكمت عليه المحكمة بالإعدام بفصل الرأس عن الجسد، وقد ساعد “بيتر” في اتخاذ هذا الحكم، حين أعلن تأييده الشديد لحكم الإعدام..

ولكن بعد فترة في السجن انتظارا لتطبيق الحكم قرر “بيتر” استئناف الحكم، ولم يكن ذلك خوفا من الموت، ولكن بسبب تراجع شعبيته؛ حيث إنه في بداية سجنه كان يتلقى المئات من خطابات الإعجاب، بل إن بعضها كان يتلقاه من ضحايا له لم يسعدهن الحظ بالموت!! أما اليوم فقد خف الاهتمام به إلى حد كبير..

وتم رفض الاستئناف، وتم اقتياد “بيتر” في صباح 2 يوليو 1931م إلى منصة الإعدام وهو في كامل لياقته وهدوئه، وحين صعد إلى منصة الإعدام سأل المسئول عن الإعدام إذا كان سيستطيع سماع قرقرة دمائه ولو للحظات بعد فصل رأسه، لأن ذلك كان سيمثل المتعة التي لا تدانيها أية متعة أخرى!!

وتم الإعدام، ولم تتوقف زوجته عن الهتاف باسمه، فبعد كل شيء كان مصاص الدماء يعود إلى بيته في الصباح ويخلع سترته السوداء، ليعود مرة أخرى ذلك العامل البسيط الذي يعشق زقزقة الطيور، ويستطيع معرفة أنواعها من صوت زقزقتها!!..

لقد قضى الكثيرون حياتهم في محاولة لفهم نفسية هذه الشخصية الغريبة، لكنهم اختلفوا في كل شيء حولها إلا شيئا واحدا، وهو أن “بيتر” كان يعاقب المجتمع لأنه هو الذي حوله إلى هذا المسخ البشع..
وقد قال “بيتر” في رد له على سؤال إذا كان ضميره يعذبه على الجرائم البشعة التي قام بها: “لا أعتقد أني أملك ضميرا من الأساس فلم أحس بأي ندم في أي وقت على ما فعلته، ولم أفكر فيه أبدا باعتباره شيئا سيئا، بالرغم من أن المجتمع قد أدانني على فعله، فأنا أعتقد بأن دمي ودم ضحاياي سيكون في النهاية في يد قوة أعظم منا بكثير، وهي القوة التي أشعلت شرارة الحياة في هذه الدنيا، وأعتقد أن هذه القوة تعتبر أفعالي جيدة لأني قد انتقمت من الظلم الذي يسود المجتمع بطريقتي الخاصة.. إن الحياه الرهيبة التي عشتها في صغري قد حطمت كل أحاسيسي الإنسانية، لذلك لم أشعر بأي شفقة على ضحاياي..”
* * *
Copycat
في الفيلم الشهير Copycat الذي قامت ببطولته الشهيرة “سيجورني ويفر Segorny weever”.. تم ذكر “بيتر” على أساس أنه أحد القتلة المتسلسلين الخالدين في التاريخ الذين كانت لهم شعبية طاغية، وخلال الفيلم اقتبس البطل القاتل بعض طرق “بيتر” في القتل..
* * *

لماذا؟!!!!!..
الكثير من القتلة المتسلسلين كان لهم من يهتمون لأمرهم للكثير من الأسباب، بل إن بعضهم كان لهم معجبون.. الغريب أن “بيتر” قد طغى سحره على كل القتلة المتسلسلين من قبله، حيث أسست أكثر من جمعية “لمحبي سفاح دوسلدورف”.. ويمكننا أن نفهم وجود أغلب هذه الجمعيات في ألمانيا باعتبارها مسقط رأس “بيتر” وكذلك بسبب افتخار الجنس الآري بتفوقه في أي مجال.. لكن الغريب هو وجود عدد من هذه الجمعيات في دول متفرقة من العالم.. ويعيش أتباع هذه الجمعيات على أمل استنساخ روح “بيتر” لكي تعود في أي شكل من الأشكال لكي يتحاوروا معها..

أمر آخر غريب هو عدم وجود فيلم مخصص لهذا السفاح الشهير للغاية، الذي تعتبر حياته مادة دسمة لأفلام الدراما والرعب والتشويق.. والسبب في ذلك –كما قال أحد كبار المنتجين في شركة20th Century– هو الخوف الغريزي لدى المنتجين من هذه النوعية من الأفلام، لكن مع ظهور الكثير من الأفلام التي تتناول هذه “النوعية” فالأمر يبدو غامضا للغاية..

النقطة الثالثة هي الفتاة التي ضربها “بيتر” على رأسها مع والدتها لكنهما نجتا.. حيث قالت تلك الطفلة –بعد 15 عاما من عدم الرغبة في الحديث– “لقد كان بيتر حانيا!!.. حاول أن يعبر لنا عن أسفه وأنه لن يجعلنا نتألم”.. وذهل الصحفيون الذين كانوا يتحدثون معها حين ظهرت في عينيها نظرة حانية وسرحت ببصرها إلى البعيد وهي تقول: “لقد كان جنتلمان حقيقيا!!!..”

“بيتر كورتين” هو أحد أشهر مصاصي الدماء والسفاحين على مر التاريخ، وستمر أعوام عديدة أخرى قبل أن نعرف حقيقة هذا الوحش..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s